القمح أولا.. كيف تؤمّن مصر غذاءها وتضبط السوق في زمن الأزمات؟
في ظل تصاعد المخاوف العالمية المرتبطة باضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء، تتجه السياسات الحكومية في مصر نحو بناء نموذج أكثر استقرارًا لإدارة ملف الأمن الغذائي، قائم على الدمج بين دعم الإنتاج المحلي وتأمين الاحتياطيات الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، استعرض رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، حزمة من المؤشرات الرقمية التي تعكس تحولًا تدريجيًا من إدارة الأزمات قصيرة الأجل إلى تأسيس قدرة مستدامة على امتصاص الصدمات الخارجية.
ويظهر هذا التوجه بوضوح في سياسة تحفيز الإنتاج المحلي، خاصة فيما يتعلق بمحصول القمح، الذي يمثل الركيزة الأساسية للأمن الغذائي. فقد تم رفع سعر توريد الأردب إلى 2500 جنيه، بزيادة قدرها 300 جنيه عن العام السابق، في خطوة تستهدف تشجيع المزارعين على زيادة حجم التوريد للدولة. وتعكس هذه الزيادة—التي أضافت نحو 4.5 مليار جنيه إلى مخصصات الدعم تحولًا في فلسفة إدارة الملف من الاعتماد على الاستيراد إلى تعزيز الاكتفاء النسبي. وتستهدف الدولة من خلال هذه السياسة استلام نحو 5 ملايين طن من القمح المحلي، بما يسهم في تقليل التعرض لتقلبات الأسواق العالمية.
وبالتوازي مع دعم الإنتاج، تعتمد الدولة على توسيع مظلة الدعم السلعي كأداة مباشرة لضبط الأسعار في السوق المحلي. فقد تم تخصيص 175.3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية، بما يضمن استمرار توفير السلع الأساسية لنحو 60 مليون مواطن، وهو ما يمثل أحد أكبر بنود الحماية الاجتماعية في الموازنة. كما تم إقرار منح استثنائية على بطاقات التموين، تصل إلى 400 جنيه، في استجابة سريعة للضغوط التضخمية العالمية، خاصة بعد ارتفاع مؤشر أسعار الغذاء الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة بنحو 2.4%. ويعكس هذا التدخل محاولة واضحة لامتصاص أثر الزيادة العالمية قبل انتقالها بشكل كامل إلى المستهلك المحلي.
وفي جانب إدارة المخزون، تشير البيانات إلى أن الدولة تعمل على تأمين احتياطي استراتيجي من السلع الأساسية يكفي لعدة أشهر، وهو ما يمثل خط الدفاع الأول ضد أي اضطرابات مفاجئة في الأسواق. ويعتمد هذا التوجه على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للاستيراد، بالتوازي مع التنسيق مع البنك المركزي لضمان استقرار تدفقات النقد الأجنبي، مدعومًا باحتياطي بلغ 52.8 مليار دولار. كما تلعب المنافذ الحكومية دورًا مكملًا في ضبط السوق، من خلال طرح السلع بأسعار مخفضة، مثل الدواجن المجمدة التي تم توفيرها بسعر 100 جنيه للكيلوجرام، بما يسهم في خلق توازن سعري والحد من الممارسات الاحتكارية.
ولا يقتصر التحرك الحكومي على الإجراءات قصيرة الأجل، بل يمتد إلى بناء قاعدة إنتاجية أكثر استدامة، من خلال الاستثمار في مدخلات الإنتاج الزراعي. وفي هذا السياق، يأتي تأسيس شركة لإنتاج التقاوي محليًا كخطوة لتقليل الاعتماد على الاستيراد، إلى جانب التوسع في المنافذ المتحركة ونماذج التوزيع الحديثة، التي تتيح وصول السلع إلى نطاق جغرافي أوسع وبأسعار تنافسية تقل في بعض الحالات بنحو 30% عن الأسواق التقليدية. ويعكس ذلك توجهًا نحو إعادة تنظيم سلاسل التوزيع، بما يعزز من كفاءة السوق ويحد من التقلبات السعرية.
في المجمل، تشير هذه المؤشرات إلى أن إدارة ملف الأمن الغذائي في مصر لم تعد تقتصر على توفير السلع، بل أصبحت عملية متكاملة تشمل الإنتاج والتخزين والتوزيع والتسعير. وبينما تظل الأسواق العالمية عاملًا ضاغطًا، فإن الاعتماد المتزايد على الإنتاج المحلي، إلى جانب بناء احتياطيات استراتيجية قوية، يمنح الاقتصاد قدرة أكبر على التعامل مع الأزمات، ويعزز من استقرار السوق المحلي على المدى المتوسط.



