رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

رضا فرحات يكتب: من هرمز إلى باب المندب.. كيف تغيرت قواعد الصراع؟

اللواء الدكتور رضا
اللواء الدكتور رضا فرحات

في ضوء التطورات المتلاحقة، تتجه المؤشرات إلى أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة غير مسبوقة من إعادة تشكيل موازين القوة، حيث لم تعد التحركات العسكرية مجرد ردود أفعال متبادلة، بل أصبحت جزءا من ترتيبات استراتيجية أوسع، يسعى خلالها كل طرف إلى تحسين موقعه قبل مواجهة قد تمتد تداعياتها إلى الإقليم بأكمله.

إن ما تم تنفيذه خلال الأيام الماضية على السواحل الإيرانية لا يمكن قراءته بمنطق الردع المؤقت أو تأمين الملاحة البحرية وحسب، و تشير المؤشرات الميدانية إلى أن تلك الغارات كانت جزءا من عملية "تمهيدية" مقصودة، استهدفت بشكل دقيق تدمير منظومة الرادارات الساحلية، وبطاريات الدفاع الجوي، ومنصات إطلاق الصواريخ والمسيرات هذا النمط من الاستهداف لا يتوافق مع عمليات الردع التقليدية.

 بل يرسم ملامح خريطة عسكرية مفتوحة، تعد الأرضية لخيارات أكثر اتساعا والمنطق العسكري يقول إن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية هو الخطوة الأولى في أي عملية برية أو إنزال بحري، وكأن هناك رسالة غير معلنة مفادها: نحن نجهز المسرح لما هو أكبر.

النقاش الدائر حول خيار السيطرة الكاملة على جزيرة "خرج" الإيرانية، التي تمر عبرها غالبية الصادرات النفطية الإيرانية، يحمل أبعادا تتجاوز مجرد استهداف منشأة نفطية، إلى عملية احتلال جيو-اقتصادي واضح، حيث تعني السيطرة على هذه الجزيرة السيطرة على الاقتصاد الإيراني بشكل شبه كامل، وتحويلها إلى ورقة ضغط وجودية على طهران وما يطرح علنا بشأن الخيارات الأمريكية لا يمكن اعتباره مجرد تهديدات إعلامية.

 بل يقرأ في سياق "العقيدة العسكرية الجديدة" القائمة على الحسم المبكر، وتغيير قواعد الاشتباك إلى قواعد "التمكين والسيطرة" والحقيقة أن مناقشة خيار الإنزال البري وقوات احتلال الجزيرة - مهما بدت صعبة لوجستيا - تعني أن الإدارة الأمريكية وضعت سقفها مرتفعا، وتتعامل مع الملف الإيراني كأولوية استراتيجية، وليس مجرد ملف ثانوي.

في المقابل طهران، التي تراقب الحشد العسكري وتدرس الخيارات الأمريكية، لن تبقى مكتوفة الأيدي، استراتيجيتها في الرد ليست مباشرة بالضرورة، فهي تعرف جيدا الفارق في القدرات العسكرية التقليدية، لذا، لجأت إلى أسلوب "الحرب بالوكالة المتطورة"، والذي يختلف عن الحروب السابقة في كونه "مخططا مسبقا وموجها بأوامر مباشرة"، وليس مجرد تنسيق عام.

ما قامت به طهران عبر تحريك الحوثيين في اليمن هو رسالة واضحة: "لا تحاصروني في مياه الخليج وحدها، فأنا أملك مفاتيح أخرى" وهذا يندرج ضمن عقيدة إيرانية أوسع حيث تحول طهران أي تهديد لطاقة التصدير الإيرانية إلى تهديد مماثل أو مضاعف لإمدادات الطاقة الخليجية والعالمية.

 وقفل مضيق باب المندب، بالتزامن مع أي ضربة للمنشآت النفطية الإيرانية، يعني أن إيران تدرك أن السعودية كانت تعوض نقص التصدير عبر موانئها على البحر الأحمر، عبر خطوط الأنابيب البرية، وإغلاق باب المندب يفقد هذا البديل قيمته، ويحول أزمة النفط إلى جائحة طاقة عالمية، وهو ما قد يغير معادلة التكلفة بالنسبة لواشنطن وحلفائها.

قصف الحوثيين للأراضي السعودية مؤخرا، تحت أي "مبرر كان" يعيد فتح جبهة كانت شبه مجمدة منذ 4 سنوات، ويكسر الهدنة غير المعلنة في إشارات مهمة وهي أن إيران تعيد تموضع حلفائها في اليمن كجبهة ضغط أولى، والسعودية تدفع ثمنا سياسيا وعسكريا في حال انخراطها مجددا في الصراع اليمني، بما يشتت تركيزها الإقليمي.

إن ما يحدث يحمل مخاطر تحويل المنطقة إلى ساحة صراع متعدد الأطراف، بين أطراف تقليدية (أمريكا ضد إيران) وأطراف غير مباشرة (الحوثيون ضد السعودية والإمارات)، مما يوسع رقعة الحرب، ويصعب أي جهود دبلوماسية لاحتواء الأمور، والأيام القادمة ستكون شديدة التعقيد، فالجميع يتحرك على حافة الهاوية، وكل طرف يراهن على قدرته على تحمل التكاليف أكثر من الآخر أمريكا تراهن على القوة الساحقة والتمهيد الممنهج، لكنها تواجه سؤالا صعبا: هل هي مستعدة لحرب طويلة أو احتلال جزيرة تحت نيران صواريخ إيرانية متطورة؟

إيران تراهن على توسيع رقعة الحرب لتشمل مضائق وبحار ومصالح متعددة، وتحويل الصراع من ثنائي إلى إقليمي متعدد، ما يصعب على أمريكا الخروج بنصر سريع، وتجد السعودية ودول الخليج نفسها في موقف صعب بين رغبتها في أمن الطاقة واستقرار المنطقة، وخوفها من أن تتحول أراضيها أو مياهها الإقليمية إلى ساحة للثأر الإيراني.

ما نشهده ليس أزمة عابرة، بل مرحلة انتقالية نحو إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، بأدوات جديدة لم نعهدها من قبل، الحل الدبلوماسي لا يزال موجودا، لكن النافذة تضيق كل ساعة، والكل ينتظر اللحظة التي سينفجر فيها الوضع - أو قد ينفرج والأيام وحدها كفيلة بأن تجيبنا عن أي الخيارين سيكون الأقرب.

تم نسخ الرابط