832 مليار جنيه في مواجهة الأزمة.. هل تنجح مصر في احتواء التضخم؟
في مواجهة الضغوط الاقتصادية العالمية، تتجه الدولة المصرية إلى توسيع نطاق تدخلها الاجتماعي، مستندة إلى سياسة مالية تقوم على توجيه الموارد نحو الفئات الأكثر تأثرًا. وفي هذا السياق، عرض رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، ملامح موازنة العام المالي 2026/2027، التي تعكس تحولًا واضحًا نحو ما يمكن تسميته بـ"موازنة الحماية"، حيث تم توظيف الأرقام كأداة مباشرة لاحتواء التداعيات الاجتماعية للتضخم، مع استهداف نحو 15 مليون أسرة بإجراءات دعم متنوعة.
ملف الأجور في صدارة المشهد
ويأتي ملف الأجور في صدارة هذه الاستجابة، باعتباره أحد أهم أدوات تحسين الدخل الحقيقي في ظل ارتفاع الأسعار. فقد أعلنت الحكومة رفع الحد الأدنى للأجور إلى 8000 جنيه شهريًا اعتبارًا من يوليو 2026، وهو ما يمثل زيادة جوهرية في القدرة الشرائية لشريحة واسعة من العاملين.
كما ارتفعت مخصصات الأجور بنسبة 21% لتصل إلى نحو 100 مليار جنيه، في مؤشر على اتساع العبء المالي الذي تتحمله الدولة للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. ولم تقتصر الزيادة على الحد الأدنى فقط، بل شملت أيضًا علاوات دورية تراوحت بين 12% و15%، إلى جانب حوافز إضافية موجهة لقطاعات حيوية مثل التعليم والصحة، وهو ما يعكس توجهًا لإعادة هيكلة أولويات الإنفاق العام بما يدعم رأس المال البشري.
وعلى مستوى الدعم المباشر، تكشف الأرقام عن توسع غير مسبوق في مخصصات الحماية الاجتماعية، التي بلغت 832.3 مليار جنيه بزيادة سنوية قدرها 12%. ويعكس هذا الرقم الضخم إدراكًا متزايدًا لضرورة تعويض الفئات الأقل دخلًا عن آثار التضخم، فقد تم تخصيص 175.3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية، بما يضمن استمرار وصول الدعم إلى نحو 60 مليون مواطن، وهو ما يحافظ على استقرار أسعار السلع الأساسية. كما تم توجيه 55.3 مليار جنيه لبرنامج "تكافل وكرامة"، الذي يخدم 4.7 مليون أسرة، مع إقرار زيادة دائمة بنسبة 25% في قيمة الدعم، وهو ما يعزز من فعالية البرنامج كأداة للحد من الفقر. وفي سياق متصل، خصصت الدولة 104.2 مليار جنيه لدعم الكهرباء، في محاولة لامتصاص أثر الارتفاعات العالمية في أسعار الطاقة على المستهلك المحلي.
دعم الإنتاج المحلي
ولا يقتصر التحرك الحكومي على جانب الاستهلاك فقط، بل يمتد ليشمل دعم الإنتاج المحلي، خاصة في قطاع الزراعة الذي يمثل ركيزة أساسية للأمن الغذائي. فقد تم رفع سعر توريد القمح إلى 2500 جنيه للأردب، بزيادة 300 جنيه عن العام السابق، في خطوة تهدف إلى تحفيز المزارعين على زيادة الإنتاج المحلي. كما تم تخصيص 69.1 مليار جنيه لشراء نحو 5 ملايين طن من القمح، وهو ما يعكس استراتيجية واضحة لتقليل الاعتماد على الاستيراد، خاصة في ظل تقلبات الأسواق العالمية، بما يسهم في تخفيف الضغط على العملة الأجنبية.
في المجمل، تشير هذه المؤشرات إلى أن الموازنة الجديدة لا تركز فقط على تحقيق التوازنات المالية التقليدية، بل تسعى إلى إدارة الأثر الاجتماعي للأزمات الاقتصادية العالمية بشكل مباشر. فالحفاظ على التصنيف الائتماني عند مستوى B بنظرة مستقرة يمثل جانبًا من الاستقرار الكلي، لكن التوسع في الإنفاق الاجتماعي بهذا الحجم يعكس توجهًا أكثر عمقًا نحو حماية الطلب المحلي والاستقرار المجتمعي، ومع توقع وصول معدل التضخم إلى نحو 4.4%، تبدو هذه السياسات بمثابة محاولة لإعادة توزيع أثر الصدمات الخارجية، بحيث لا يتحملها المواطن بالكامل، بل يتم امتصاص جزء كبير منها عبر أدوات المالية العامة.



