حين تتكلم المياه.. كنز أزرق بكفر الشيخ يكفي الحاضر ويؤمّن الغد
محافظة كفر الشيخ، حيث يلتقي الماء بالأرض وتتشكل الحياة من رحم الطبيعة، لم تكن يومًا مجرد بقعة جغرافية على خريطة الدلتا، بل كانت دائمًا وعدًا بالغذاء والاستقرار والقدرة على العطاء. ففي عمق بركها وبحيراتها، وعلى سواحلها الممتدة، يتجسد صراع الإنسان مع التحديات وتحالفه مع العلم والإرادة، ليصنع من الثروة المائية مستقبلًا أكثر أمنًا واستدامة، ويحوّل حلم الاكتفاء الغذائي من فكرة بعيدة إلى واقع نابض بالحياة.

معركة الاكتفاء الذاتي
في وقت تتصاعد فيه التحديات العالمية المرتبطة بالأمن الغذائي وسلاسل الإمداد، تبرز محافظة كفر الشيخ كإحدى ركائز الدولة المصرية في معركة الاكتفاء الذاتي، مستندة إلى تاريخ طويل وخبرة متراكمة في مجال الثروة السمكية، ومدعومة بمشروعات قومية عملاقة أعادت رسم خريطة الإنتاج الغذائي في البلاد.
وتُمثل مشروعات الاستزراع السمكي بالمحافظة نموذجًا واضحًا لسياسة الدولة في تحويل الموارد الطبيعية غير المستغلة إلى أدوات إنتاج حقيقية، تلبّي احتياجات السوق المحلي، وتدعم الاقتصاد الوطني، وتوفر فرص عمل واسعة، في إطار رؤية تنموية شاملة ومستدامة.

عاصمة الاستزراع السمكي بمصر
تحتل كفر الشيخ موقع الصدارة بين محافظات الجمهورية في إنتاج الأسماك، بفضل امتلاكها مقومات طبيعية نادرة، أبرزها: امتدادها الساحلي على البحر المتوسط، وكذا وجود بحيرة البرلس، إحدى أكبر البحيرات الطبيعية في مصر، بالاضافة إلى انتشار المزارع السمكية التقليدية والمطوّرة، وتوافر الأيدي العاملة المدربة
غير أن التحول الحقيقي جاء مع إطلاق المشروعات القومية للاستزراع السمكي، وعلى رأسها مشروع بركة غليون.
بركة غليون المشروع الأكبر بالشرق الأوسط
يُعد مشروع الاستزراع السمكي ببركة غليون حجر الزاوية في منظومة الثروة السمكية بكفر الشيخ، وأحد أضخم المشروعات من نوعه في الشرق الأوسط.

أُنشئ المشروع تحت إشراف الشركة الوطنية للثروة السمكية والأحياء المائية، وافتُتح رسميًا في 18 نوفمبر 2017، بتوجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي، في إطار خطة الدولة لتعظيم الإنتاج المحلي من الغذاء.
ويقع المشروع في منطقة غليون بمركز مطوبس على الطريق الدولي الساحلي، ويمتد على مساحات شاسعة، مع ضخ استثمارات تُقدّر بنحو 14 مليار جنيه، ما يعكس حجم الرهان الاستراتيجي عليه ضمن خطة الدولة للأمن الغذائي.

من مستنقعات مهملة لمدينة إنتاج متكاملة
قبل سنوات قليلة، لم تكن منطقة غليون سوى مساحات مائية مهملة، تعاني ضعف الاستغلال، وغياب العائد الاقتصادي؛ ولكن مع انطلاق المشروع القومي، تحولت المنطقة بالكامل إلى مدينة إنتاج سمكي متكاملة تعتمد على التخطيط العلمي، الإدارة الحديثة، التكنولوجيا المتقدمة، وهو ما جعل غليون نموذجًا حيًا لتحويل التحديات البيئية إلى فرص تنموية.
موقع استراتيجي يفتح أبواب التصدير
يمنح الموقع الجغرافي للمشروع ميزة تنافسية كبيرة، إذ يقع بالقرب من البحر المتوسط، على أحد أهم المحاور المرورية (الطريق الدولي الساحلي)، على مسافة قريبة من الموانئ البحرية، وهو ما يسهم في سهولة نقل وتداول الأسماك، سواء للأسواق المحلية أو التصدير الخارجي، ويقلل من فاقد النقل والتخزين.

منظومة إنتاج لا تعرف التجزئة
لا يقتصر مشروع غليون على كونه مزارع أسماك فحسب، بل يمثل منظومة متكاملة من الإنتاج حتى التسويق، تشمل أحواض استزراع سمكي ضخمة، وكذا مفرخات لإنتاج الزريعة البحرية والعذبة، ووحدات زراعة مكثفة ومتخصصة، ومصانع أعلاف عالية الجودة، ووحدات تصنيع وتجميد وتغليف، ومعامل بيطرية ورقابية متطورة، وشبكة طرق وبنية لوجستية داخلية
فيما ينتج المشروع أنواعًا متعددة من الأسماك ذات القيمة الغذائية والاقتصادية المرتفعة، أبرزها، البلطي، الدنيس، القاروص، الجمبري.
سر التفوق والاستدامة
يعتمد الاستزراع السمكي في بركة غليون على أحدث النظم العالمية، من بينها، أنظمة متطورة للتحكم في جودة المياه، وكذا التغذية الآلية الذكية، والمراقبة البيئية المستمرة، والإدارة الرقمية للأحواض
فيما تضمن كل تلك العناصر زيادة الإنتاجية، وتقليل الفاقد، والحفاظ على صحة الأسماك، وك ذا الالتزام بالمعايير البيئية الدولية، بالاضافة إلى عائد اقتصادي واجتماعي ممتد.
فيما لم يقتصر أثر المشروع على الإنتاج فقط، بل امتد ليشمل توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وكذا دعم الصناعات المرتبطة بالثروة السمكية، وخفض أسعار الأسماك في الأسواق، بالاضافة إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد، وفتح آفاق واسعة للتصدير.

كما تحوّل المشروع إلى مدرسة تدريب عملية لتأهيل الشباب والمهندسين الزراعيين والبيطريين، بما يضمن استدامة الخبرة الوطنية في هذا القطاع الحيوي.
بركة غليون والأمن الغذائي القومي
يمثل مشروع غليون أحد الأعمدة الرئيسية في الاستراتيجية الوطنية لتنمية الثروة السمكية، وأسهم بشكل مباشر في، رفع إنتاج مصر من الأسماك، وزيادة نصيب الفرد من البروتين الحيواني، وكذا تحقيق معدلات متقدمة من الاكتفاء الذاتي، وهو ما يعزز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات العالمية وتقلبات الأسواق.
نموذج للتنمية المستدامة
فيما تقدّم بركة غليون نموذجًا متكاملًا للتنمية المستدامة، يجمع بين، حسن استغلال الموارد الطبيعية، والنمو الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية وتوفير فرص العمل، والحفاظ على البيئة

الغذاء قضية أمن قومي
وفي النهاية أثبتت تجربة الاستزراع السمكي في كفر الشيخ، وعلى رأسها مشروع بركة غليون، أن الاستثمار في الغذاء هو استثمار مباشر في الأمن القومي، وأن الإرادة السياسية حين تُدعَم بالتخطيط العلمي قادرة على تحويل المستنقعات إلى قلاع إنتاج.
لتظل بركة غليون شاهدًا حيًا على قدرة الدولة المصرية على بناء مشروعات كبرى لا تُطعم الحاضر فحسب، بل تؤمّن المستقبل، وتضع مصر في موقع متقدم على خريطة الأمن الغذائي إقليميًا ودوليًا.



