رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

دكتورة أمل منصور تكتب.. نظرة في الانسحاب العاطفي الصامت

دكتورة أمل منصور
دكتورة أمل منصور

هناك لحظة في بعض الزيجات، لا تأتي فجأة بل تتسلل ببطء، يصبح فيها أحد الطرفين حاضرًا جسدًا وغائبًا روحًا، لحظة يتوقف فيها عن المحاولة، عن بذل الجهد لإصلاح ما يتصدع، وكأنه سلّم بأن هذا البيت سيظل كما هو، لا يتغير ولا يشفى. قد يكون السبب سنوات من المحاولات غير المردودة، كلمات تاهت في الصمت، أو مبادرات ذابت أمام جدار من اللامبالاة، الانسحاب العاطفي هنا لا يعني الانفصال الفعلي، بل هو انسحاب داخلي، كأن القلب جمع أغراضه وغادر، تاركًا صاحبه يؤدي دوره في الحياة الزوجية بآلية باردة.

من منظور تحليلي، الانسحاب العاطفي غالبًا لا يحدث بسبب موقف واحد أو خطأ عابر، بل هو نتيجة تراكم طويل لإهمال الاحتياجات العاطفية، أو شعور دائم بعدم الأمان في العلاقة، أحيانًا يكون الصمت خيارًا دفاعيًا، لأن الكلام صار مكلفًا نفسيًا أكثر من احتماله، وأحيانًا يكون هو الرسالة الأخيرة التي يرسلها القلب قبل أن يغلق أبوابه نهائيًا، المشكلة أن هذا الانسحاب، إذا لم يُفهم ويُعالج في بداياته، يتحول إلى حالة شبه دائمة من التعايش الخالي من المعنى.

هذا الانسحاب ليس قرارًا واعيًا في أغلب الأحيان، بل رد فعل متراكم على شعور بالخذلان أو بعدم التقدير، حين يحاول أحدهما مرارًا أن يفتح باب الحوار فلا يجد سوى الأبواب المغلقة، أو حين يمنح الحب فلا يلقى سوى الصمت، يتعلم بمرور الوقت أن يطفئ ما يشعر به حمايةً لنفسه. ولأننا في كثير من البيوت نتجاهل أهمية التعبير الصريح، تصبح المشاعر الحقيقية مدفونة تحت ركام المجاملات اليومية والمهام الروتينية، إلى أن يختفي الدفء ولا نلاحظ إلا بعد فوات الأوان.

بالنسبة للرجل، الانسحاب العاطفي قد يأخذ شكل الانشغال المبالغ فيه بالعمل أو الهوايات أو حتى الصمت الطويل، داخله، قد يردد جملة صامتة: "لقد حاولت بما يكفي، ولم يعد لدي ما أقدمه"، يشعر أحيانًا أن كل بادرة يقوم بها تُقابل بعدم الاكتراث أو النقد، فيتراجع عن المحاولة حتى لا يشعر بمزيد من الرفض. بعض الرجال في هذه الحالة لا يبوحون بما يزعجهم خوفًا من الجدل أو التقليل من شأن مشاعرهم، فيتجهون إلى بناء أسوار صامتة تحميهم، لكنها أيضًا تعزلهم عن شريكتهم.

أما المرأة، فالانسحاب العاطفي لديها غالبًا يسبق الانسحاب الجسدي بفترة طويلة، قد تتحول إلى القيام بكل واجباتها الأسرية دون أن تضع روحها فيها، أو تكتفي بابتسامة باهتة لإخفاء الإحباط، داخلها، يتكرر إحساس مرهق بأنها غير مرئية، وأن كلماتها تُسمع لكن لا تُفهم. بعض النساء في هذه الحالة قد يبوحن بوجعهن في شكل تلميحات، لكنهن يتوقفن عن الكلام حين يواجهن بالتجاهل أو الاستهزاء، فيتعلم قلبهن الصمت حفاظًا على ما تبقى من طاقته.

الخطير في الانسحاب العاطفي أنه هادئ، لا ضجيج فيه، فلا ينذر بوقوع المشكلة إلا حين تتحول العلاقة إلى شكل بلا مضمون، يلتقيان على مائدة الطعام ولا يلتقيان في المعنى، يتبادلان الكلمات الضرورية لكن لا يتبادلان الشعور، وهنا يبدأ أخطر أنواع الانهيار، لأنه لا يترك أثرًا واضحًا يمكن مواجهته، بل يذيب الحب بصمت.

هناك مؤشرات مبكرة يمكن أن تنبه إلى بداية هذا الانسحاب، مثل انخفاض الرغبة في مشاركة التفاصيل اليومية، أو تكرار الأعذار للابتعاد عن قضاء الوقت معًا، أو تفضيل الصمت على الحوار خوفًا من الدخول في خلاف، قد يظهر أيضًا برود في التفاعل مع مشاعر الطرف الآخر، أو انقطاع العادات الصغيرة التي كانت تمنح العلاقة دفئها. ملاحظة هذه الإشارات في وقت مبكر قد تمنح فرصة لإعادة التواصل قبل أن تصبح المسافة بين القلبين أكبر من أن تُجسر.

العلاج يبدأ من إدراك أن الصمت ليس دائمًا علامة رضا، وأن توقف الطرف الآخر عن العتاب لا يعني رضاه بالوضع. أحيانًا يحتاج الزواج إلى إعادة شحن إنساني قبل أي حلول عملية، إلى أن يسمع كل طرف الآخر حقًا، لا مجرد أن ينتظر دوره في الكلام. فالقلوب لا تستعيد دفئها بالأوامر، بل بالشعور بأن هناك من يراها، يفهمها، ويقدّر ما تبذله.

تم نسخ الرابط