دكتورة أمل منصور يكتب: الإفراط في النقد.. متى يتحول إلى هدمٍ ممنهج للعلاقة؟
في البداية، يبدو النقد وكأنه مجرد ملاحظة عابرة أو محاولة لتصحيح مسار، كلمة تُقال بنية الإصلاح أو لمسة تنبيه تُراد بها مصلحة الطرف الآخر، لكنه حين يتكرر بلا توقف، وحين يتجاوز حدود المعقول، يتحول إلى أداة هدم تهدد شيئًا أعمق من مجرد تصرفات خاطئة: تهدد الأمان النفسي والاحترام المتبادل، وتجعل العلاقة كلها على حافة الانهيار.
نحن لا نتحدث عن النقد البنّاء الذي يفتح باب التفاهم، بل عن ذلك الإفراط الذي يتسلل يومًا بعد يوم في ثنايا الكلمات، في ملامح الوجه ونبرة الصوت، حتى يصبح هو اللغة اليومية التي لا تهدأ، الإفراط في النقد يبدأ عادة بنوايا تبدو طيبة: “أريدك أن تكون أفضل”، “أخاف أن تكرر الخطأ”، لكن الحقيقة التي لا نعترف بها هي أن النقد المفرط يكشف في كثير من الأحيان عن خوف دفين، أو رغبة في السيطرة، أو حاجة لتعويض نقص داخلي.
يبدأ الأمر بتعليقات صغيرة: “لماذا قلت ذلك؟” أو “لو أنك فعلت الأمر بطريقة أخرى لكان أفضل”، ومع مرور الوقت، تتراكم هذه الملاحظات لتصبح كسلسلة متتابعة من الضغوط الخفية على روح الشريك، فبدل أن يشعر بأنه محبوب كما هو، يبدأ في الشعور بأنه مشروع دائم للإصلاح، يتساءل في داخله: “هل أنا غير كافٍ؟ هل يجب أن أتغير لأُقبل؟”، وهنا يتحول النقد من كونه رسالة حب إلى عملية تقويض ممنهجة، تقوّض الثقة وتزرع الشك في الذات.
الأخطر أن الإفراط في النقد لا يهدم الطرف المتلقي وحده، بل ينهك الناقد نفسه، فالشخص الذي يفرط في ملاحظة كل تفصيل يعيش في حالة توتر مستمر، يبحث بلا وعي عن الأخطاء ليؤكد وجودها، وكأنه لا يستطيع أن يرى جمال العلاقة إلا من خلال عيوبها، وهكذا يدخل الطرفان في حلقة مفرغة: أحدهما يوجّه السهام، والآخر يتلقى ويقاوم أو ينسحب، بينما تتآكل المساحة المشتركة بينهما بهدوء.
علم النفس يفسر هذا السلوك بوضوح، فالإفراط في النقد قد يكون انعكاسًا لتجارب سابقة من الإهمال أو الخذلان، فيحاول الشخص أن يسيطر على حاضره حتى لا يعيد ماضيه المؤلم، أو قد يكون آلية دفاعية لإخفاء شعور بالنقص: فبدل أن يواجه ضعفه، يسقطه على شريكه في شكل ملاحظات قاسية، لكن أياً كانت الأسباب، النتيجة واحدة: علاقة مثقلة بالتوتر، وأمان عاطفي يتبخر شيئًا فشيئًا.
في العلاقات العاطفية، يظن البعض أن الحب يمنحهم الحق في “تغيير” من يحبون، وكأنهم يحملون مفاتيح الصواب والخطأ، لكن الحب في جوهره قبول، والنقد حين يتجاوز حدوده يصبح رفضًا مقنّعًا، فبدل أن يقول: “أحبك رغم ما فيك”، يوحي بأن الحب مشروط: “أحبك إذا تغيّرت”. وهذا أخطر ما قد يتلقاه القلب، لأنه يضرب جذور العلاقة في مقتل.
ولعل أكثر ما يجعل الإفراط في النقد مؤلمًا هو أنه لا يكتفي بجرح اللحظة، بل يبني ذاكرة من الخيبات، كل تعليق سلبي يبقى عالقًا في الذهن كندبة صغيرة، حتى يصبح الطرف المتلقي في حالة ترقّب دائم، يخاف أن يتنفس بطريقة خاطئة أو يتحدث بكلمة غير محسوبة، ومع الوقت، يتعلم الصمت، لا لأنه لا يملك ما يقول، بل لأنه يخشى الحكم المستمر، وهنا يبدأ الهدم الحقيقي: حين يغيب الحوار ويحل الخوف مكانه.
لكن هل يعني ذلك أن نتوقف عن النقد تمامًا؟ بالتأكيد لا، فالحب الصادق يحتاج أحيانًا إلى مواجهة وتصحيح، لكن الفرق كبير بين النقد البنّاء والنقد الهادم، الأول يركز على السلوك لا على الشخص، يختار وقته وكلماته بعناية، ويأتي محمّلًا باحترام لا يجرح. أما الثاني، فيتسلل بلهجة استعلاء، يعمم الخطأ، ويجعل من الهفوة دليلاً على العجز.
لكي لا يتحول النقد إلى وسيلة لتفكيك العلاقة، علينا أن نسأل أنفسنا قبل أي كلمة:
هل أقول هذا بدافع الحب أم بدافع الانتصار لرأيي؟.
هل أختار الوقت الذي يكون فيه شريكي مستعدًا للاستماع، أم أطلق الكلام في لحظة غضب؟.
هل أرى الصورة الكاملة للعلاقة، أم أركز فقط على ثقب صغير في جدارها؟.
الحل يبدأ من إدراك أن الكمال وهم، وأن الشريك ليس نسخة من توقعاتنا، إننا جميعًا نتعثر، نخطئ، نتأخر، لكن قيمة العلاقة تكمن في قدرتها على احتضان النقص لا محاكمته، الحب الذي يبقى هو ذاك الذي يعرف كيف ينتقد بلطف، ويصمت أحيانًا ليتجاوز تفصيلًا لا يستحق المعركة.
في النهاية، الإفراط في النقد ليس مجرد عادة مزعجة، بل رسالة غير منطوقة تقول: “أنت لست كما أريد”. وحين تصل هذه الرسالة مرارًا، يبدأ الشريك في تصديقها، فيبتعد أو ينكفئ على نفسه، حتى لو ظل الجسد قريبًا، لذلك، فلنتذكر أن الكلمة قد تبني بيتًا من الدفء، أو تهدم جدارًا من الثقة. وما بين البناء والهدم، يختار القلب أن يبقى أو يرحل.



