دكتورة أمل منصور تكتب.. منطق «أنا استحق الأفضل».. هل يقتل البدايات قبل أن تولد؟
في لحظة صدق مع النفس، وبين كل خيبة عاطفية وأخرى، تهمس جملة صارت رائجة في زماننا: "أنا استحق الأفضل"، تبدو الجملة للوهلة الأولى شعارًا للكرامة، أو ربما تعبيرًا عن الثقة، لكن ما إن تتكرر أكثر من اللازم، وتُستخدم كدرع لكل انسحاب، حتى تتحول إلى فخ يُغلق الباب أمام كل بداية ممكنة، ويمنع الحب من أن يأخذ فرصته كي ينمو، نحن لا نكسر القلوب دائمًا بسوء النية، بل أحيانًا بكثرة الحذر، وبالشك الذي لا يترك مساحة للأمل.
في وقت صارت فيه العلاقات هشّة، والخيارات كثيرة، تحوّلنا إلى أشخاص يُشبهون المتسوقين في سوق عاطفي مفتوح، نختبر، نقارن، نتأمل التفاصيل، نحكم سريعًا، وننسحب إذا لم نجد ما يُرضينا لحظة بلحظة، لم نعد ننتظر النضج، ولا نراهن على التدرّج، ولا نؤمن بأن بعض العلاقات تحتاج وقتًا لتكشف عن عمقها الحقيقي، بل نُفكر بمنطق "أنا استحق الأفضل"، دون أن نتساءل: هل من أمامي أُتيحت له فرصة ليُظهر "أفضله"؟ وهل من العدل أن أُحمّله مسؤولية توقعاتي قبل أن أُعطيه مزيدًا من الوقت؟.
هذه الجملة – التي صارت ترددها كثير من النساء والرجال على حد سواء – تخفي خلفها أحيانًا مزيجًا من الخوف والتعالي والخذلان السابق، فالبعض يرفع سقف التوقعات ليحمي نفسه من تكرار الألم، والبعض يختلق عيوبًا في الآخر ليبرر لنفسه الهروب، لكنها في كل الأحوال، حين تُستخدم كذريعة للرفض المبكر، فإنها تتحول من درع إلى جدار، لا يحمي بل يعزل.
الخطير في الأمر أن هذه الفكرة كثيرًا ما تزرع وهمًا بأن "الأفضل" موجود دائمًا في مكان آخر، أو قادم في وقت لاحق، فنعيش حالة من اللا-رضا الدائم، ونبقى على استعداد للهروب متى ما ظهر خيار آخر "قد" يبدو أكثر اكتمالًا، وهو وهم خطير، لأن العلاقات لا تُبنى على الكمال، بل على الرغبة في احتواء النقص، وعلى استعداد الطرفين لأن يكشف كل منهما عن ذاته بتدرّج وثقة.
وهنا، تظهر السوشيال ميديا كعامل تضخيم لهذه النزعة، فالعرض المستمر لقصص الحب المثالية، واللقطات المُنتقاة بعناية، يزرع شعورًا خادعًا بأن العلاقات السهلة والمثالية ممكنة للجميع، وأن من لا يمنحك "هذا المستوى من الحب"، لا يستحقك، بينما الحقيقة أن تلك الصور تُظهر الحب في لحظاته اللامعة، وتُخفي خلفها الكثير من العمل العاطفي، من التسامح، ومن الصبر، ومن التنازل المتبادل، الذي لا تصوره الكاميرات ولا تبوح به المنشورات.
وغالبًا ما يكون الطرف الأكثر تضررًا من هذه القناعة هو المرأة، إذ تُربى منذ نعومة مشاعرها على أنها تستحق معاملة خاصة، ثم تُطالب في الوقت ذاته بأن تكون مرنة وناضجة ومتقبلة، فتجد نفسها في صراع بين ما تراه في عيونها من خيبة، وما تسمعه من نصائح "لا ترضي بالقليل"، لكن الخطر هنا أن يُخلَط بين القليل والواقعي، وبين عدم الاكتمال وبين البداية. فالبدايات دائمًا مترددة، لا تحمل كل الإجابات، بل تحتاج لمن يُعطيها فرصة لتتشكّل.
ولا يُمكن إغفال أن خلف بعض من يرفع هذا الشعار يقف تاريخ من الألم، من أعطى كثيرًا ولم يُقدّر، من سامح حتى تلاشى، من أحبّ حتى نُسف تمامًا، هذا التاريخ المؤلم يُنتج نسخة دفاعية من الإنسان، تحكم بسرعة، وتخاف من التكرار. لكنها أيضًا نسخة تُحرم من الفرح، لأن الحذر الزائد لا يمنع الخذلان، بل يمنع الحب.
"أنا استحق الأفضل" قد تكون عبارة صادقة تمامًا، لكن الأهم أن نُحدد: الأفضل بأي معنى؟.
هل هو الشخص الكامل الذي لا يُخطئ، أم الذي يُجيد التعلم؟.
هل هو الذي يُبهرنا منذ اللحظة الأولى، أم الذي يُبني معنا حكاية تستحق؟.
الأفضل ليس من يأتي دون جهد، بل من يُجاهد معنا من أجل الاستمرار.
ليس من يُشبه أحلامنا، بل من يخلق معنا واقعًا قابلًا للحياة.
ربما نحتاج أن نُعيد صياغة الجملة، لا لنتنازل عن كرامتنا، بل لنفهم أنفسنا والآخرين على نحو أعمق.
بدلًا من "أنا استحق الأفضل"، لعل الأصدق هو: "أنا استحق علاقة صادقة، وفرصة عادلة، وبداية تُعامل بالرفق لا بالحكم المسبق"، فالحب، مهما تغيّر شكله، لا يزال في جوهره يحتاج إلى من يؤمن به… قبل أن يحكم عليه.



