دكتورة أمل منصور تكتب: التواصل وقت الغضب.. جسر أم هاوية؟
الغضب بين الزوجين ليس دائمًا القنبلة التي تهدد بانفجار العلاقة، أحيانًا يشبه النار التي تمنح الدفء إذا أُحسن إشعالها، وتحرق إذا تُركت بلا وعي. فالمشكلة ليست في الغضب نفسه، بل في الطريقة التي نسمح له أن يخرج بها، وفي المسافة التي نتركها تكبر بيننا في تلك اللحظات.
حين يغضب أحدنا، نادرًا ما يكون السبب هو الموقف الحالي وحده، الغضب يشبه صندوقًا ممتلئًا بذكريات قديمة، بعتاب لم يُقال، وبكلمات علقت في الحلق زمنًا طويلًا. الشرارة التي تراها أمامك اليوم ليست إلا نقطة النهاية في خط طويل من المشاعر المتراكمة، وعند تلك اللحظة، يصبح الحوار بين الزوجين أشبه بالسير فوق جسر معلّق، إما أن يقودهما إلى الضفة الأخرى من التفاهم، أو ينهار بهما في هوة لا عودة منها بسهولة.
الغريب أن الغضب يكشف في الزواج ما لا يظهر في الأيام العادية، هو مرآة لمخاوفنا، ولطريقة حبّنا، وللجرح القديم الذي لم يلتئم، الرجل في لحظة الغضب قد يشعر أن كرامته على المحك، فيرتفع صوته أو ينسحب فجأة، ظانًا أن الصمت سيحميه، بينما هو في الحقيقة يترك مسافة يتسرب منها البرد العاطفي، المرأة، على الجانب الآخر، ترى في الغضب فرصة لتفريغ ما في قلبها، فإذا اصطدمت بجدار الصمت، يتحول كلامها إلى حدّة أو دموع أو صمت بارد يزيد المسافة اتساعًا.
ديناميكية الغضب في الحياة الزوجية أعقد مما تبدو عليه، فهي لا تنفصل عن طبيعة الشخصيات، ولا عن التجارب السابقة، ولا عن مستوى الأمان العاطفي بين الطرفين، لحظة الغضب هي لحظة يتراجع فيها العقل المنطقي إلى الخلف، بينما يتقدم الشعور ليتصدر المشهد، فيقود الحوار أو يقطعه، يلين أو يشتد، إذا كان بين الزوجين رصيد من الثقة، فقد يتحول الغضب إلى فرصة لإعادة ترتيب الأفكار وفهم المشاعر، أما إذا كان الجدار بينهما هشًا من قبل، فقد يدفعهما الغضب إلى هدم ما تبقى.
أحيانًا، يبدأ الغضب من تفاصيل صغيرة، لكنه يجد أرضًا خصبة في تراكمات لم تُحل، كلمتان بحدة قد تعيدان فتح جرح قديم ظنه أحدهما قد اندمل، أو نبرة صوت خاطئة توقظ شعورًا بالإهمال، هنا، لا يكون الحوار عن المشكلة الحالية فحسب، بل عن كل ما تمثله من معانٍ أعمق في القلب.
التعامل مع الغضب لا يحتاج إلى وصفات جامدة، لكنه يحتاج إلى وعي لحظي بأن الهدف ليس كسب النقاش، بل الحفاظ على الجسر قائمًا، أحيانًا يكفي أن يتوقف أحدهما قليلًا، يأخذ نفسًا عميقًا، ويقول: "أحتاج أن أهدأ قبل أن أكمل كلامي"، هذه الجملة البسيطة قد تكون بمثابة صمام أمان يمنع الانفجار، بل وقد تمنح الطرف الآخر فرصة لرؤية أن الأمر ليس هجومًا شخصيًا، بل تعبير عن مشاعر تحتاج إلى رعاية.
من المهم أن ندرك أن الغضب إذا أُدير بذكاء يمكن أن يصبح أداة لتقوية العلاقة، فهو يكشف المناطق الهشة التي تحتاج إلى ترميم. لكن المشكلة أن كثيرًا من الأزواج يرونه خطرًا يجب تجنبه بأي ثمن، فيكبتونه حتى ينفجر في وقت أسوأ، هذا الكبت يشبه تراكم البخار في إناء مغلق، لا بد أن ينفجر يومًا إذا لم نجد له مخرجًا آمنًا.
الحوار وقت الغضب يحتاج إلى لغة مختلفة، لغة تخاطب المشاعر قبل العقول، وتضع الاحترام في المقدمة حتى لو كانت الكلمات حادة، أن نقول: "شعرت بالألم حين حدث ذلك" أفضل بكثير من "أنت جرحتني"، لأن الأولى تصف الإحساس، بينما الثانية تضع الطرف الآخر في موقع الدفاع.
ومن المفارقات الجميلة أن بعض أقوى الروابط الزوجية تتشكل بعد خلاف تم تجاوزه بنضج، حين يجلس الزوجان بعد العاصفة، يتبادلان نظرة اعتذار أو لمسة يد، يشعران أن الخلاف كان كالمطر الذي غسل الغبار عن قلوبهما، تلك اللحظة تمنحهما يقينًا أن الحب لم يكن مجرد عاطفة في أيام الصفاء، بل قدرة على التمسك ببعضهما حتى في وجه العاصفة.
وفي العمق، ربما لا يخاف الأزواج من الغضب بقدر ما يخافون من أن يكون الغضب نهاية الطريق. لكن الحقيقة أن كل غضب يمكن أن يكون بداية جديدة إذا استُقبل بوعي لا برد فعل، وبقلب يتذكر أن خلف الغضب يقف إنسان نحبه، فالمعركة الحقيقية ليست ضد الطرف الآخر، بل ضد المسافة التي يحاول الغضب أن يزرعها بيننا.
في النهاية، الغضب في الزواج ليس عدوًا للحب، بل اختبار لعمقه، هو كالسكين، يمكن أن يجرح أو يقطع الخبز، وكل الأمر في اليد التي تمسك به، وإذا اخترنا أن نحب ونحن غاضبون، ورفضنا أن نخسر الإنسان من أجل أن نربح الموقف، فإننا نكون قد حوّلنا لحظة الغضب من تهديد إلى فرصة، ومن هاوية إلى جسر لا ينقطع.



