رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

أوروبا تعيد إحياء "تكتيك المستنقعات" لتحصين حدودها من هجوم روسي محتمل

دبابات روسية تتحرك
دبابات روسية تتحرك باتجاه أوكرانيا

في ظل التوترات المتصاعدة بين روسيا والغرب، وبخاصة على حدود حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تسعى دول أوروبا الشرقية إلى تطوير استراتيجيات دفاعية مبتكرة تدمج بين الجانب العسكري وحماية البيئة، عبر إحياء ما يُعرف بـ"تكتيك المستنقعات". هذا التكتيك، الذي يعود جذوره إلى القرون الماضية، يعيد إلى الواجهة مفهوم استخدام الطبيعة كخط دفاعي طبيعي يعرقل تقدم القوات الثقيلة للعدو، وخاصة في مواجهة أي هجوم محتمل من روسيا.

من بولندا وفنلندا إلى دول البلطيق، بدأت هذه الدول في مشاريع استصلاح المستنقعات وإعادة ترطيب الأراضي الرطبة على حدودها، في خطوة تمزج بين الحماية البيئية وتقوية الدفاعات العسكرية. تأتي هذه الخطوة في أعقاب تجربة ميدانية حية في الحرب الروسية الأوكرانية، حيث أثبتت الطبيعة دورها الحيوي في إعاقة تقدم الجيش الروسي.

دبابات روسية تتحرك باتجاه أوكرانيا 
دبابات روسية تتحرك باتجاه أوكرانيا 

المستنقعات.. من حدود طبيعية إلى حصون دفاعية

تتمتع الأراضي الرطبة والمستنقعات بخصائص فريدة تجعلها عائقاً طبيعياً لا يمكن تجاوزه بسهولة من قبل الآليات الثقيلة، خصوصاً الدبابات والمركبات العسكرية المدرعة التي تعتمد على أرض ثابتة ومتينة.

كان هذا التكتيك معروفًا منذ مئات السنين، حيث استخدمت المستنقعات كخطوط دفاع طبيعية في حروب عديدة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كما أثبتت فعاليتها في الصراع السوفيتي-الفنلندي عام 1939. واليوم، تستعيد دول أوروبا الشرقية هذا التكتيك كجزء من استراتيجياتها الدفاعية، ولكن ضمن إطار متطور يأخذ في الاعتبار العوامل البيئية والتغيرات المناخية.

دروس من الحرب في أوكرانيا

أحد أبرز الأمثلة الحديثة على هذا التكتيك كان في أوكرانيا، حين قام الجيش الأوكراني في فبراير 2022 بتفجير سد على نهر إربين شمال كييف، ما تسبب في فيضان كبير غمر مناطق واسعة، وأدى إلى تكوين مستنقعات لا يمكن للجيش الروسي عبورها بسهولة. وأوضح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الشهر الماضي أن تقدم القوات الروسية كان سيتوقف في غضون أربع ساعات بسبب غرق دباباتها في الوحل، مشيرًا إلى أهمية التضاريس الطبيعية في الحروب الحديثة.

لكن الواقع كان أكثر تعقيداً، حيث أن تفجير السد أثر على المدنيين بشكل كبير، مما سلط الضوء على التحدي المتمثل في تحقيق توازن بين الأهداف العسكرية والحفاظ على الأمن الإنساني والبيئي.

المشاريع الأوروبية لإعادة تأهيل المستنقعات

بولندا: الدرع الشرقي والمستنقعات كحاجز دفاعي

في بولندا، التي تقع على الحدود الشرقية لحلف الناتو، تبنّت وزارة الدفاع خطة طموحة لاستعادة المستنقعات والغابات الحدودية في إطار مشروع يُعرف بـ"الدرع الشرقي"، بتكلفة تصل إلى 1.9 مليار جنيه إسترليني. يهدف المشروع إلى تعزيز الحدود الطبيعية للدولة بحيث تصبح أكثر صلابة ضد أي تحرك عسكري روسي.

يقول فيكتور كوتوفسكي، خبير البيئة والمستشار الحكومي البولندي، إن المستنقعات كانت في الماضي حدودًا طبيعية صعبة العبور، وإن إعادتها يضيف بعدًا استراتيجيًا جديدًا إلى نظام الدفاع الوطني. كما يشير إلى أن هذه الأراضي بفضل تضاريسها الموحلة ومياهها المشبعة لا يمكن أن تعبرها المركبات الثقيلة، مما يجعلها درعًا فعالاً ومريحًا مقارنة بأساليب الدفاع الأخرى.

فنلندا: استصلاح الأراضي الرطبة وحماية الحدود الشرقية

فنلندا، التي تربطها حدود طويلة مع روسيا، أطلقت مشروعًا استصلاحياً كبيرًا لإعادة ترطيب الأراضي الرطبة التي تم تجفيفها سابقًا لأغراض زراعية. ويشير باولي آلتو-سيتالا، نائب سابق في البرلمان الفنلندي وضابط دبابات، إلى أن مشروع إعادة المستنقعات يلتقي فيه المدافعون عن البيئة مع مسؤولي الدفاع، مشددًا على أن إعادة الترطيب يمكن تنفيذها بسرعة نسبية، مقارنة بإعادة التشجير التي تستغرق عقودًا.

تغطي الأراضي الرطبة نحو ثلث مساحة فنلندا، لكن نصفها جفف وتم تحويله، ما أثر على التنوع البيولوجي وزاد من الانبعاثات الكربونية. لذلك، يمثل هذا المشروع فرصة مزدوجة لتحقيق الأمن الوطني والمناخي في آن واحد.

دول البلطيق: دمج المستنقعات ضمن خط الدفاع

في إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، تدرس السلطات إمكانية إعادة تأهيل المستنقعات لتعزيز دفاعاتها الحدودية، خاصة في ظل القلق المتزايد من تهديدات روسية محتملة. وتسعى هذه الدول لدمج الأراضي الرطبة ضمن "خط دفاع البلطيق"، وهو شبكة من الحواجز الطبيعية والاصطناعية التي تهدف إلى إبطاء أي تقدم عسكري.

تحديات قانونية وبيئية واجتماعية

رغم المزايا الدفاعية الواضحة لاستراتيجية استعادة المستنقعات، تواجه هذه الخطط عدة تحديات:

  • التحديات البيئية: إعادة ترطيب الأراضي الرطبة قد تؤدي إلى فيضانات في المناطق المحيطة، مما يضر بالبنية التحتية ويؤثر على سكان المناطق القريبة.
  • حقوق الملكية: يتطلب تنفيذ هذه المشاريع التفاوض مع المزارعين وأصحاب الأراضي، حيث قد يعني استعادة المستنقعات إيقاف أو تقليل النشاط الزراعي أو الصناعي، مما يؤثر على سبل عيشهم.
  • التنسيق العسكري: في ألمانيا، التي جففت معظم أراضيها الرطبة، أبدت وزارة الدفاع مخاوف من أن إعادة ترطيب الأراضي قد تعيق تحركات قوات الناتو، خصوصًا في حال شن هجوم روسي مفاجئ.
  • الأثر على المدنيين: كما حدث في أوكرانيا، فإن إغراق مناطق كبيرة يؤدي إلى تشريد المدنيين وفقدان ممتلكاتهم، ما يثير تساؤلات حول ضرورة التوازن بين الدفاع العسكري والحفاظ على الحقوق الإنسانية.

دمج المناخ والدفاع: رؤية جديدة للاستراتيجية الأوروبية

تشكل المستنقعات بيئة حساسة تحتوي على كميات كبيرة من الكربون المخزن في الخث، وقد ساهم تجفيفها في العقود الماضية في تسريع ظاهرة الاحتباس الحراري. لذا فإن استعادة هذه الأراضي لا تُعد مجرد استراتيجية عسكرية فحسب، بل خطوة بيئية هامة نحو خفض انبعاثات الكربون، والحفاظ على التنوع البيولوجي.

تسعى أوروبا من خلال خطة طموحة لإعادة تأهيل 30% من الأراضي الخثية المتدهورة بحلول عام 2030 إلى تحقيق أهداف المناخ، ويعد استصلاح المستنقعات جزءًا أساسياً من هذه الجهود. وفي هذا السياق، يتحول الدفاع العسكري من مجرد مواجهة تهديدات أمنية إلى مساهمة في بناء مستقبل أكثر استدامة.

مواقف وتحليلات خبراء ومسؤولين

  • قال فيكتور كوتوفسكي، المستشار البيئي البولندي:
    "في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كانت المستنقعات تشكل حدودًا طبيعية وعوائق دفاعية. واليوم، ندرك من جديد أهميتها الاستراتيجية في مواجهة التهديدات الحديثة."
  • أضاف باولي آلتو-سيتالا من فنلندا:
    "إعادة ترطيب المستنقعات ليست فقط دفاعًا عسكريًا بل مبادرة بيئية تلتقي فيها مصالح الأمن القومي مع حماية الطبيعة."
  • من جانبها، أعربت ناتالي جينينغ من وزارة الدفاع الألمانية عن حذرها من أن هذا التكتيك قد يكون "سلاحًا ذا حدين"، مؤكدًة ضرورة دراسة الآثار على تنقلات قوات الحلف في المنطقة.

يبدو أن "تكتيك المستنقعات" يعيد إحياء دور الطبيعة في الحروب الحديثة، حيث تصبح الأراضي الرطبة حاجزًا طبيعيًا ودرعًا فعّالًا ضد تقدم الجيوش الثقيلة، خاصة في مواجهة تهديدات روسية مستمرة على حدود أوروبا الشرقية.

لكن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقتصر على الجوانب العسكرية فقط، بل سيتطلب تنسيقًا دقيقًا بين السياسات الدفاعية والبيئية والاجتماعية، لتحقيق توازن بين حماية الأمن الوطني والحفاظ على حياة المدنيين والبيئة.

في الوقت ذاته، يظهر هذا التكتيك كيف يمكن للاستدامة البيئية أن تتقاطع مع الأمن القومي في ظل تحديات القرن الحادي والعشرين، مما يفتح أفقًا جديدًا في التفكير الاستراتيجي الأوروبي والعالمي.

تم نسخ الرابط