عودة شبح العقوبات.. ما تداعيات تفعيل آلية الزناد ضد إيران؟
خطوة أوروبية تُنذر بعودة التوتر الدولي مع إيران إلى ما قبل اتفاق 2015، حيث شرعت كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، الخميس، في تفعيل "آلية الزناد"، تمهيدًا لإعادة فرض عقوبات أممية على طهران، على خلفية ما اعتبرته الدول الثلاث تجاوزات نووية متكررة وخرقًا للالتزامات المنصوص عليها في خطة العمل الشاملة المشتركة.
هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام تصعيد غير مسبوق مع إيران، خصوصًا في ظل تعثّر الجهود الدبلوماسية، وغياب التنسيق المباشر بين طهران وواشنطن، واستمرار الدعم الروسي والصيني لطهران.

ما هو الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015؟
الاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، وُقّع في يوليو 2015 بين إيران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، وفرنسا) بالإضافة إلى ألمانيا.
بموجب الاتفاق، رفعت الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات اقتصادية ودبلوماسية كانت مفروضة على إيران، مقابل التزام طهران بتقييد برنامجها النووي، ومنعها من تطوير أسلحة نووية.
وقد صادق مجلس الأمن الدولي على الاتفاق بقرار رسمي، حدد آلية لإعادة فرض العقوبات في حال أخلّت إيران بالاتفاق.
ما هي "آلية الزناد" أو إعادة فرض العقوبات؟
تُعد "آلية الزناد" بمثابة آلية ردع قانونية ودبلوماسية ضمن الاتفاق النووي، تتيح لأي طرف من الموقعين إعادة العقوبات الأممية على إيران، إذا تم التأكد من عدم التزامها ببنود الاتفاق.
وتبدأ الآلية برسالة رسمية إلى مجلس الأمن، كما فعلت الترويكا الأوروبية، تليها مهلة 30 يومًا لمناقشة الأمر في مجلس الأمن.
وفي حال لم يُتفق على تمديد رفع العقوبات، أو لم يصدر قرار جديد، تُعاد تلقائيًا العقوبات الأممية السابقة التي كانت مفروضة بين 2006 و2010.
ماذا تعني إعادة العقوبات بالنسبة لإيران؟
إذا دخلت آلية الزناد حيز التنفيذ دون تدخل قانوني أو سياسي لإيقافها، فسيتم:
- إعادة فرض الحظر على تصدير واستيراد الأسلحة التقليدية.
- منع إيران من تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجته.
- منعها من تطوير أو اختبار صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية.
- تجميد أصول وحظر سفر عشرات الكيانات والأفراد الإيرانيين.
- توسيع عمليات التفتيش الدولي للشحنات الجوية والبحرية الإيرانية.
هذا يعني عودة إيران فعليًا إلى وضع ما قبل 2015، معزولة دوليًا، وتحت ضغوط اقتصادية ودبلوماسية خانقة.
ما الذي دفع أوروبا لتفعيل آلية الزناد؟
أفادت رسالة الترويكا الأوروبية إلى مجلس الأمن أن إيران "فشلت مرارًا" في الالتزام بالقيود النووية، وسارعت في تخصيب اليورانيوم إلى مستويات قريبة من مستوى تصنيع السلاح النووي (60%).
الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت مؤخرًا أن إيران تسارع تخصيب اليورانيوم بدرجة غير مبررة، وتقوم بتقييد وصول المفتشين الدوليين إلى مواقع حساسة.
وتخشى أوروبا من تحول إيران إلى دولة "عَتبة نووية"، أي أنها قادرة على إنتاج سلاح نووي خلال أسابيع إذا قررت ذلك، وهو أمر ترفضه بشدة العواصم الأوروبية.
هل يمكن لمجلس الأمن منع إعادة فرض العقوبات؟
في ظل القواعد المعمول بها، لا تستطيع روسيا أو الصين منع إعادة العقوبات باستخدام الفيتو، لأن الآلية مصممة لتكون "تلقائية" إذا لم يتم التوصل إلى إجماع في غضون 30 يوما.
لكن، في حال صوّت مجلس الأمن على قرار يمدد تخفيف العقوبات، واستخدمت بريطانيا أو فرنسا الفيتو لعرقلته، فستعود العقوبات فورًا.
وإذا لم يُطرح أي قرار خلال المهلة المحددة، تُفعل العقوبات تلقائيًا نهاية سبتمبرالمقبل.
ما موقف روسيا والصين؟
وزّعت موسكو وبكين مشروع قرار مضاد في مجلس الأمن، يسعى إلى تمديد الاتفاق النووي حتى أبريل 2026، ويتضمّن لغة تُقيّد قدرة أوروبا على تفعيل آلية الزناد مستقبلًا.
وترى روسيا والصين أن الدول الأوروبية لم تلتزم بواجباتها، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018، وبالتالي لا تملك "الشرعية القانونية" لإعادة تفعيل العقوبات.
لكن النص الذي قدّمتاه أثار شكوكًا واسعة، خاصة لدى واشنطن ولندن، إذ يُعتقد أنه يهدف إلى تحصين إيران من المساءلة الدولية في المرحلة المقبلة.
ما دور الولايات المتحدة؟
الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق النووي في 2018 بقرار من الرئيس آنذاك دونالد ترامب، وأعادت فرض عقوبات مشددة على إيران ضمن حملة "أقصى ضغط".
لكن إدارة بايدن حاولت العودة إلى الاتفاق عبر مفاوضات غير مباشرة بدأت عام 2021، إلا أنها تعثّرت لاحقًا بسبب الخلافات حول شروط العودة.
وفي يونيو الماضي، قصفت واشنطن وتل أبيب مواقع نووية وصاروخية إيرانية، ما أدى إلى توقف المحادثات تمامًا، وأعاد مناخ التصعيد إلى الواجهة.
هل تنسحب إيران من الاتفاق كليًا؟
الاتفاق ينص على أن إيران يمكنها التوقف جزئيًا أو كليًا عن تنفيذ التزاماتها في حال أعيد فرض العقوبات.
وبالفعل، بدأت طهران منذ 2019 توسيع أنشطتها النووية بشكل كبير، وتشير التقارير الدولية إلى أنها تملك الآن مواد كافية لصنع قنبلة نووية واحدة على الأقل خلال فترة زمنية قصيرة.
لكن إيران لا تزال تؤكد أن برنامجها سلمي، وأنها لن تسعى لسلاح نووي. مع ذلك، تُظهر خطواتها الأخيرة أنها تستخدم الملف النووي كورقة ضغط رئيسية في أي مفاوضات قادمة.
هل يمكن تجنّب التصعيد؟
عرضت أوروبا تمديدًا محدودًا لآلية الزناد، كنافذة أخيرة لإبرام اتفاق جديد، لكن الأمر يتوقف على استعداد إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات بشروط مختلفة.
كما أن مشروع القرار الروسي-الصيني يسعى لخلق مخرج دبلوماسي، لكن أوروبا وأمريكا تعتبرانه محاولة لتقويض جهود المساءلة الدولية.
الخيارات تضيق، وكل الأطراف تدرك أن فشل هذه المرحلة قد يطلق سباقًا خطيرًا نحو مواجهة مفتوحة في الشرق الأوسط.





