رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

دكتورة أمل منصور تكتب: العادات اليومية بين الأزواج التي تقتل الشغف دون أن نشعر

دكتورة أمل منصور
دكتورة أمل منصور

الشغف في الزواج ليس شعلة تشتعل تلقائيًا طوال العمر، بل هو نسيم دافئ يحتاج إلى رعاية ووقود متجدد، في بدايات العلاقة، يتدفق الحماس بلا جهد، فتكون النظرات مشتعلة، والكلمات مفعمة بالدفء، واللقاءات مليئة بالانتظار، لكن مع مرور الوقت، ومع دخول تفاصيل الحياة اليومية، يتسلل الروتين كضيف صامت، ثم يتحول ببطء إلى ساكن دائم، وما لا ينتبه إليه الكثيرون هو أن هناك عادات صغيرة، تتكرر دون وعي، يمكن أن تسرق الشغف في صمت، حتى يختفي تمامًا من العلاقة.

أول هذه العادات هو إهمال لغة الجسد التي كانت تفيض بالمودة، لمسة اليد العفوية، النظرة التي تقول أكثر من ألف كلمة، أو حتى الابتسامة الدافئة عند اللقاء، تتحول بمرور الأيام إلى مجاملات باردة أو إيماءات عابرة، هذه التفاصيل التي كانت تشعل القلب تصبح مهملة تحت ضغط المهام اليومية، وكأنها رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بينما هي في الحقيقة الأكسجين الذي يتنفس به الحب.

العادة الثانية هي استبدال الحديث العاطفي بحوارات إدارية بحتة، بدل أن تكون جلسات المساء مساحة لفضفضة المشاعر أو مشاركة الأفكار والأحلام، تتحول إلى اجتماعات لمناقشة الفواتير، مواعيد الصيانة، أو قائمة احتياجات البيت، ومع أن هذه النقاشات ضرورية، فإنها حين تبتلع الوقت كله تترك القلب عطشًا للكلمة الحلوة التي كانت سببًا في بداية الحكاية.

هناك أيضًا عادة مقارنة الشريك بالآخرين، حتى وإن كانت في إطار المزاح أو بدافع التحفيز، هذه المقارنات، مهما بدت بريئة، تحمل رسالة خفية بأن الطرف الآخر أقل مما نتمنى، وتضع بذرة شعور بالنقص أو بعدم التقدير، ومع تكرارها، يبدأ الطرف الآخر في الانسحاب عاطفيًا، لأن الحب الذي يُقاس بميزان المقارنات يفقد دفئه.

من العادات التي تقتل الشغف كذلك هو فقدان الاهتمام بالمظهر الشخصي داخل البيت، في البداية، كان كل طرف يسعى لأن يظهر في أفضل صورة أمام الآخر، لكن مع مرور السنوات، يختفي هذا الحرص، وكأن الجاذبية لم تعد مهمة بعد أن تم الزواج، الحقيقة أن الحفاظ على الجاذبية الجسدية والنظافة والأناقة ليس مظهرًا من مظاهر السطحية، بل هو رسالة تقدير للشريك، تقول له: "أريد أن أكون جميلًا في عينيك كما كنت في أول لقاء".

التجاهل المتكرر للإنصات العميق هو أيضًا قاتل خفي للشغف، عندما يتحدث أحد الطرفين وينشغل الآخر بالهاتف أو التلفاز أو حتى بأفكاره، تتراكم لحظات الصمت المليء بالخذلان، حتى يصبح الكلام نفسه بلا جدوى، الاستماع باهتمام ليس رفاهية، بل هو تعبير صريح عن الاهتمام والارتباط العاطفي.

وتحت ضغط الحياة، ينسى الأزواج عادة أخرى قاتلة للشغف: الاحتفال باللحظات الصغيرة، النجاح في العمل، إنجاز مهمة صعبة، أو حتى اجتياز يوم مرهق، كلها فرص لتبادل الدعم والفرح، لكن حين تمر هذه اللحظات دون اعتراف أو احتفاء، يبدأ الشعور بأننا نعيش معًا لكن منفصلين وجدانيًا.

من منظور الرجل، قد يظن أن إشباع الاحتياجات المادية هو كافٍ للحفاظ على الشغف، فيغفل عن الجانب العاطفي الذي تحتاجه المرأة كي تبقى روح العلاقة حية، الرجل الذي يعود مرهقًا من العمل ويظن أن التعب يبرر الصمت الطويل، لا يدرك أن دقائق من الحضور العاطفي قد تساوي في قيمتها كل ما يقدمه ماديًا.

ومن منظور المرأة، قد تظن أن الانغماس في تفاصيل البيت والأبناء هو أولوية مطلقة، حتى لو جاء على حساب الوقت الخاص بالعلاقة، الانشغال الدائم، حتى لو كان في سبيل الأسرة، يمكن أن يرسل رسالة غير مقصودة بأن الشريك لم يعد أولوية، وأن الحب أصبح في ذيل القائمة.

هذه العادات لا تقتل الشغف بضربة واحدة، بل تخمده ببطء، مثل شمعة تُستهلك دون أن يلاحظ أحد حتى تنطفئ تمامًا، وما إن يصل الزوجان إلى تلك اللحظة، حتى يبدأ كل منهما في التساؤل: أين ذهب ذلك الإحساس الذي كان يملأ قلوبنا؟

الحلول الواقعية تبدأ بخطوات بسيطة لكن مستمرة: تخصيص وقت ثابت أسبوعيًا للحديث بعيدًا عن ضوضاء المهام، إحياء اللمسات والكلمات التي كانت في البدايات، الحفاظ على مظهر جذاب حتى في الأوقات العادية، التخلي عن المقارنات، والاحتفال بالإنجازات الصغيرة، والأهم، أن يتعهد الطرفان بالإنصات العميق لبعضهما، لأن الإصغاء الصادق هو الجسر الذي يعبر فوق أي فجوة قد يخلقها الروتين.
أن ننتبه الي هذه التفاصيل الصغيرة قبل أن تتحول إلي مسافات كبيرة، أن نعيد إحياء اللمسات والكلمات التي بدأنا بها، وأن نمنح وقتًا للحوار الذي لا علاقة له بالمهام والالتزامات، أن نحتفل باللحظات البسيطة وأن نتذكر أن الشغف لا يعيش في المناسبات الكبري وحدها، بل في تفاصيل كل يوم.

في النهاية، الحب ليس ما نشعر به فقط، بل ما نصنعه بأفعالنا اليومية، وإذا أردنا أن يبقى الشغف حيًا، علينا أن نحميه من العادات التي تقتله في صمت، وأن نزرع في كل يوم لمسة، كلمة، أو لحظة تجعل الطرف الآخر يشعر أنه ما زال مُختارًا، ليس لأننا اعتدنا عليه، بل لأننا لا نريد أن نعيش بدونه، فالشغف لا يموت فجأة، لكنه يختفي حين نتوقف عن منحه أسباب الحياة.

تم نسخ الرابط