شحاتة زكريا يكتب: اقتصاد المعنى
كان الاقتصادي البريطاني الشهير يقول إن الأسواق تتحرك بالأرقام لكن التاريخ يثبت أن الأمم تتحرك بالمعنى. وبين الرقم والمعنى مسافة قد تبدو قصيرة على الورق لكنها في الواقع هي الفارق بين اقتصاد ينمو، واقتصاد يصنع حضارة.
لقد اعتدنا أن نقرأ أخبار الاقتصاد من خلال نسب النمو وحجم الصادرات، ومعدلات التضخم، وأسعار الفائدة، واحتياطيات النقد الأجنبي. وهي مؤشرات لا غنى عنها لفهم حركة الأسواق واتجاهات التنمية لكنها ليست سوى الوجه الظاهر للمشهد. أما الوجه الآخر الأكثر عمقا وتأثيرا فهو ذلك الذي لا يظهر في الجداول الإحصائية ولا يمكن اختزاله في بيان رسمي أو تقرير مالي. إنه ما يمكن أن نسميه اقتصاد المعنى.. اقتصاد المعنى هو أن يتحول العمل إلى قيمة لا إلى مجرد وظيفة. وأن يصبح الإنتاج رسالة لا مجرد وسيلة لتحقيق الربح. وأن تدرك الدولة أن بناء الإنسان ليس بندا في الموازنة بل هو الاستثمار الأكثر ربحا والأطول عمرا.
فليست كل الدول التي تملك المال قادرة على صناعة التنمية كما أن الفقر لم يكن يوما حكما نهائيا على مستقبل الأمم. اليابان خرجت من الحرب بإمكانات محدودة وكوريا الجنوبية لم تكن تملك ما يؤهلها لتصبح قوة صناعية عالمية، وسنغافورة بدأت رحلتها وهي تفتقر إلى الموارد الطبيعية. لكن هذه الدول امتلكت شيئا أكثر أهمية من الثروة وهو وضوح الفكرة واحترام الإنسان والإيمان بأن الاقتصاد يبدأ من العقل قبل أن يبدأ من رأس المال.. وهنا يكمن جوهر المعنى. فالاقتصاد ليس مجرد حركة بيع وشراء ولا هو معادلات مالية معقدة بل هو انعكاس مباشر لثقافة المجتمع. المجتمع الذي يحترم الوقت ينتج أكثر. والمجتمع الذي يقدر العلم يبتكر أكثر. والمجتمع الذي يربط النجاح بالاجتهاد لا بالمصادفة يحقق نموا أكثر استدامة.. ولذلك فإن أخطر أزمة قد تواجه أي اقتصاد ليست نقص الموارد وإنما فقدان المعنى. حين يعمل الإنسان بلا هدف ويتعلم بلا شغف ويستهلك أكثر مما ينتج تصبح الأرقام مهما تحسنت عاجزة عن صناعة مستقبل مستقر.. إن الدول الناجحة لا تبني مصانع فقط بل تبني عقلا يعرف لماذا يبني المصنع وكيف يطوره ومتى يغير مساره. ولا تشيد طرقا وكباري فحسب بل تنشئ بيئة اقتصادية تجعل هذه البنية التحتية قادرة على جذب الاستثمار، وتسهيل حركة التجارة، وخلق فرص جديدة للنمو...وفي عالمنا اليوم لم تعد المنافسة بين الاقتصادات قائمة على وفرة الموارد وحدها وإنما على جودة الأفكار. فشركة ناشئة تعتمد على فكرة مبتكرة قد تتجاوز قيمتها الاقتصادية ميزانيات دول وباحث داخل معمل صغير قد يغير صناعة كاملة باكتشاف واحد.
لقد أصبح الاقتصاد الحديث أقرب إلى سباق في الإبداع منه إلى سباق في امتلاك الثروات...ومن هنا فإن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي وريادة الأعمال لم يعد رفاهية بل ضرورة وجود. فكل جنيه ينفق على المعرفة يعود أضعافا عندما يتحول إلى ابتكار وكل فكرة تجد بيئة داعمة قد تصبح مشروعا يخلق آلاف فرص العمل.. غير أن اقتصاد المعنى لا يقتصر على المؤسسات والسياسات بل يبدأ من السلوك اليومي. من احترام المواعيد، وإتقان العمل، والحفاظ على المال العام، والالتزام بمعايير الجودة والإيمان بأن النجاح الحقيقي لا يتحقق بالقفز على القواعد وإنما بالالتزام بها. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع في النهاية صورة الاقتصاد الكبير.
ولعل أكثر ما تحتاج إليه الدول في هذه المرحلة هو أن تعيد تعريف النجاح الاقتصادي. فالنجاح ليس أن ترتفع المؤشرات لعام واحد بل أن يشعر المواطن بأن ثمرة التنمية تقترب من حياته وأن يجد المستثمر بيئة مستقرة تشجعه على التوسع وأن يثق الشاب بأن جهده يمكن أن يصنع مستقبله داخل وطنه.. فالاقتصاد الذي يمنح الناس الأمل ويخلق الفرص ويحترم الكفاءة هو اقتصاد يملك القدرة على الاستمرار حتى في أوقات الأزمات. أما الاقتصاد الذي يعتمد على الحلول المؤقتة فإنه قد يحقق أرقاما جيدة لكنه يظل هشا أمام أول اختبار حقيقي.. والحقيقة أن العالم لم يعد يمنح مكانة متقدمة للدول التي تملك الثروة فقط بل للدول التي تعرف كيف تحول هذه الثروة إلى معرفة والمعرفة إلى إنتاج والإنتاج إلى قيمة مضافة والقيمة المضافة إلى جودة حياة.
هنا تحديدا يولد الفرق بين اقتصاد يعيش على ما يملكه واقتصاد يصنع كل يوم ما يستحق أن يملكه.. وفي التجارب الدولية الناجحة لم يكن الإنسان مجرد مستفيد من التنمية بل كان صانعها الأول. ولذلك فإن أي رؤية اقتصادية لا تضع الإنسان في قلب معادلتها ستظل رؤية ناقصة مهما بدت أرقامها لافتة...إن المستقبل لن يكون للأغنى بالضرورة بل للأكثر قدرة على الفهم، والتكيف، والابتكار، والعمل الجماعي. وهذه كلها معان قبل أن تكون أرقاما...وفي النهاية يبقى الاقتصاد الحقيقي أكبر من أن يختزل في مؤشرات شهرية أو تقارير سنوية. إنه قصة وطن يعرف قيمة الوقت ويحترم العقل ويكافئ المجتهد ويؤمن بأن الثروة ليست ما نملكه اليوم بل ما نستطيع أن نصنعه غدا.. لهذا فإن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي دولة ليس في المال وحده بل في بناء المعنى لأن المعنى هو الذي يمنح الأرقام حياتها ويحول النمو إلى نهضة، والإنجاز إلى أثر والتنمية إلى قصة يرويها التاريخ لا جدولا تحفظه التقارير.

