التعصب الأعمى... كيف تُصنع الكراهية في العصر الرقمي؟
لم يعد التعصب الرياضي في عصرنا مجرد انفعال عاطفي أو انحياز طبيعي لفريق نحبه، بل أصبح ظاهرة نفسية وإعلامية ورقمية معقدة، تُصنع وتُغذى وتُستثمر يوميًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية. فالمشجع لم يعد يتلقى المعلومة من مصدر واحد، بل أصبح محاصرًا بآلاف الرسائل والصور ومقاطع الفيديو والتغريدات والمنشورات التي تستهدف عقله قبل مشاعره، وتعمل على ترسيخ قناعات معينة حتى لو كانت بعيدة عن الحقيقة.
ومن واقع الخبرة في مكافحة الجرائم الإلكترونية ورصد تأثير الفضاء الرقمي على الرأي العام، فإن أخطر ما في التعصب ليس اختلاف الانتماءات، وإنما الطريقة التي يُعاد بها تشكيل وعي الجماهير، حتى يصبح الإنسان مقتنعًا بأنه يفكر بحرية، بينما هو في الحقيقة يعيد ترديد ما صُمم له أن يصدقه.
يعتمد صناع الاستقطاب على حقيقة نفسية معروفة، وهي أن الإنسان يميل إلى تصديق كل ما يؤكد قناعاته السابقة، ويرفض تلقائيًا كل ما يخالفها، وهي الظاهرة التي يطلق عليها علماء النفس "التحيز التأكيدي". ولهذا فإن المشجع المتعصب لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عما يؤكد أنه كان على حق منذ البداية.
ومع التكرار المستمر، تتحول الشائعة إلى رأي، والرأي إلى قناعة، والقناعة إلى حقيقة لا تقبل النقاش. فكلما تكررت رواية معينة عبر عشرات الصفحات والحسابات والبرامج، ازداد شعور البعض بأنها حقيقة ثابتة، رغم أنها قد تكون بلا دليل واحد.
وهنا تبدأ أخطر مراحل التعصب، عندما يفقد العقل قدرته على التقييم الموضوعي، ويصبح الانتماء للنادي هو المعيار الوحيد للحكم على كل الوقائع.
ومن هنا تظهر ظاهرة "المظلومية الدائمة"، حيث يقتنع بعض المشجعين بأن ناديهم مستهدف في كل قرار، بينما يحصل المنافس على كل أشكال الدعم والمجاملات. ومع مرور الوقت لا يعود هناك استعداد لمراجعة الوقائع أو الاعتراف بالأخطاء، لأن الرواية أصبحت جزءًا من الهوية.
ويصاحب ذلك أحد أخطر الأمراض الفكرية، وهو الكيل بمكيالين. فالواقعة الواحدة لا تُحكم بمعيار واحد، وإنما بمعيارين مختلفين؛ فإذا استفاد منها ناديه أصبحت عدالة، وإذا استفاد منها المنافس أصبحت فسادًا أو مؤامرة. والقرار نفسه قد يُصفق له اليوم ويُهاجم غدًا، ليس لأنه تغير، ولكن لأن المستفيد منه تغير.
واللافت أن هذا التناقض يُمارس أحيانًا بمنتهى الوضوح، ودون أدنى حرج، حتى أصبح البعض يتعامل مع ازدواجية المعايير باعتبارها أمرًا طبيعيًا. فالخطأ الذي يرتكبه المنافس يتحول إلى قضية أخلاقية كبرى، بينما الخطأ نفسه إذا صدر من ناديه يجد له عشرات المبررات. وما يُعد إنجازًا تاريخيًا إذا حققه فريقه، يصبح إنجازًا عاديًا أو محل تشكيك إذا حققه المنافس.
ولو طُبقت المعايير نفسها على الجميع، لانتهت معظم الخلافات الرياضية.
لكن المنصات الرقمية لا تكافئ الموضوعية، بل تكافئ الإثارة والغضب. فكلما كان المحتوى أكثر استفزازًا، زادت مشاهداته، وارتفع انتشاره، وحقق أرباحًا أكبر. ولهذا أصبحت بعض الحسابات والصفحات تعيش على صناعة الكراهية أكثر مما تعيش على صناعة المحتوى.
ولم يعد الأمر مقتصرًا على مشجعين متحمسين، بل ظهرت حسابات وهمية ولجان إلكترونية تعمل على إعادة نشر الشائعات، واقتطاع التصريحات من سياقها، وإعادة تدوير مقاطع قديمة على أنها جديدة، وتضخيم الأخطاء، وإخفاء الحقائق التي لا تخدم الرواية المطلوبة.
وتساعد خوارزميات وسائل التواصل على نجاح هذه الأساليب؛ فهي تعرض للمستخدم غالبًا ما يشبه أفكاره، فيعيش داخل ما يعرف بـ"غرفة الصدى"، فلا يرى إلا الآراء التي توافقه، ولا يسمع إلا من يؤكد له أنه على صواب. ومع مرور الوقت يظن أن رأيه هو الحقيقة المطلقة، وأن كل من يخالفه جاهل أو متحيز.
ومن هنا لا يعود المنافس خصمًا رياضيًا، بل يتحول إلى عدو يجب التقليل من كل نجاح يحققه. ويصبح بعض المشجعين أكثر سعادة بخسارة المنافس من سعادتهم بفوز ناديهم، بل يشجعون أي فريق يواجهه، حتى وإن كان من دولة أخرى، وكأن هويتهم لم تعد "أنا أشجع فريقي"، وإنما "أنا أعادي منافسي".
وهذا هو التحول الأخطر؛ لأن الانتماء لم يعد قائمًا على الحب، بل على الكراهية.
ولا يقف الأمر عند الأندية، بل يمتد أحيانًا إلى المنتخب الوطني. فإذا لم يُستدع لاعب من النادي الذي يشجعه البعض، انهالت الاتهامات على المدير الفني، وربما امتنع البعض عن دعم المنتخب أو تمنى خسارته، وكأن الانتماء للوطن أصبح مرهونًا بانتماء النادي.
ويتحمل بعض الإعلام الرياضي جزءًا من المسؤولية عندما يتحول من منصة للتوعية إلى منصة للاستقطاب. فبدلًا من مناقشة أسباب الإخفاق داخل النادي، ينشغل بعض الإعلاميين بالحديث عن المنافس أكثر من الحديث عن فريقهم، ويُقنعون الجماهير بأن سبب كل فشل هو المؤامرات والمجاملات، لا الأخطاء الإدارية أو ضعف التخطيط أو سوء الإدارة.
إن الإعلام الحقيقي لا يصنع جماهير غاضبة، بل يصنع جماهير واعية، تعرف كيف تنتقد فريقها قبل أن تتهم الآخرين، وكيف تعترف بتميز المنافس قبل أن تبحث عن أعذار للهزيمة.
وفي النهاية، فإن أخطر ما في التعصب الرياضي ليس أنه يفسد متعة كرة القدم، بل أنه يدرب الإنسان على قبول الكذب إذا وافق هواه، ورفض الحقيقة إذا خالفت انتماءه. وعندما يعتاد العقل هذا الأسلوب في الرياضة، يصبح أكثر قابلية لتصديق الشائعات في السياسة والاقتصاد والمجتمع، وأكثر استعدادًا للانسياق خلف حملات التضليل الإلكتروني.
لذلك فإن مواجهة التعصب الرياضي لم تعد مسؤولية الأندية أو الاتحادات أو الإعلام وحدها، بل أصبحت مسؤولية كل مستخدم للفضاء الرقمي. فقبل أن تضغط زر "مشاركة"، اسأل نفسك: هل أساعد في نشر حقيقة، أم أشارك في صناعة وهم؟ وهل أدافع عن نادٍ أحبه، أم أسمح للآخرين باستغلال مشاعري لإشعال معركة لا تخدم الرياضة ولا المجتمع؟
فالمشجع الواعي هو من يحب ناديه، ويحترم منافسه، ويدعم منتخب وطنه، ويحتكم إلى الدليل لا إلى الهوى. أما المتعصب، فهو أول ضحايا التضليل، حتى وإن ظن أنه أكثر الناس فهمًا وإدراكًا.