شحاتة زكريا يكتب: جيل جديد.. ووطن يبحث عن المستقبل
في كل مرحلة تاريخية يتجدد الحديث عن الشباب وتتكرر الأسئلة ذاتها بصيغ مختلفة: هل تغير الشباب؟ وهل تختلف أحلامهم عن أحلام الأجيال السابقة؟ وهل ما تريده الدولة منهم يتوافق مع ما يتطلعون إليه؟ وبين هذه الأسئلة جميعا تظل الحقيقة الأهم أن مستقبل أي أمة لا يُقاس فقط بما تملكه من موارد أو إمكانات وإنما بما تمتلكه من شباب قادر على الفهم والمشاركة وصناعة المستقبل.. من يراقب شباب اليوم يدرك أننا أمام جيل مختلف في أدواته ووسائل تواصله وطريقة حصوله على المعرفة. جيل ولد في عالم مفتوح لا تعوقه الحدود الجغرافية في الاطلاع على الأفكار والتجارب المختلفة. بضغطة زر يستطيع أن يرى كيف يعيش الآخرون، وكيف تعمل المؤسسات الناجحة وكيف تتقدم الدول. ولذلك فإن طريقة تفكيره لم تعد تشبه إلى حد كبير طريقة الأجيال السابقة التي كانت تعتمد على مصادر محدودة للمعلومات.. لكن هذا الانفتاح الكبير حمل معه تحديات لا تقل عن الفرص. فكما أتاح للشباب آفاقا واسعة للتعلم والتواصل فتح أيضا أبوابا للفوضى الفكرية وتضارب المعلومات وانتشار الشائعات. وأصبح الشاب مطالبا بأن يمتلك القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف وبين الرأي والمعلومة وبين النقد الموضوعي والهجوم غير المسؤول.
ويبدو أن أبرز ما يميز شباب اليوم هو البحث عن المعنى. لم يعد كثير منهم يكتفي بالحصول على وظيفة أو تحقيق دخل ثابت فقط بل أصبح يبحث عن دور يشعر من خلاله بقيمته وتأثيره في المجتمع. يريد أن يكون جزءا من قصة نجاح وأن يرى نتائج جهده بشكل ملموس. لذلك فإن لغة الأوامر التقليدية لم تعد كافية للتعامل مع هذا الجيل بينما أصبحت لغة الإقناع والحوار والمشاركة أكثر قدرة على الوصول إليه.
وفي المقابل فإن الدولة في أي مجتمع لا تنظر إلى الشباب باعتبارهم مجرد فئة عمرية بل باعتبارهم قوة التنمية الأساسية. فالدولة تريد شبابا متعلما يمتلك المهارات اللازمة لسوق العمل وقادرا على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة. كما تريد مواطنا واعيا يدرك حجم التحديات التي تواجه وطنه ويشارك في مواجهتها بدلا من الاكتفاء بمراقبتها من بعيد.. غير أن العلاقة بين الدولة والشباب لا ينبغي أن تبنى على فكرة التلقي من طرف واحد. فكما تنتظر الدولة من الشباب المشاركة والإنتاج والالتزام ينتظر الشباب من الدولة أن توفر لهم فرصًا حقيقية للنجاح وأن تفتح أمامهم أبواب الأمل والترقي الاجتماعي وأن تمنحهم مساحة للتعبير عن أفكارهم وطموحاتهم.. وهنا تبرز أهمية الحوار بين الأجيال. فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست في اختلاف الأهداف وإنما في اختلاف اللغة التي يتحدث بها كل طرف. فبعض الكبار ينظرون إلى الشباب باعتبارهم أقل صبرا وأكثر اندفاعا بينما يرى بعض الشباب أن الأجيال الأكبر لا تدرك طبيعة العصر الذي يعيشونه. وبين هذين التصورين تضيع أحيانا فرص كثيرة للتفاهم والتعاون.
إن الأوطان الناجحة هي التي تحول هذا الاختلاف إلى مصدر قوة لا إلى سبب للصدام. فخبرة الكبار تمثل رصيدا لا غنى عنه، وحيوية الشباب وقدرتهم على الابتكار تمثل طاقة لا يمكن الاستغناء عنها. وعندما يلتقي الرصيد بالطاقة يصبح المجتمع أكثر قدرة على التقدم.. ولعل ما تشهده مصر اليوم من مشروعات تنموية وتحولات اقتصادية واجتماعية يفرض على الشباب دورا أكبر من أي وقت مضى. فعملية البناء لا تعتمد فقط على القرارات الحكومية أو الاستثمارات بل تعتمد كذلك على وعي المجتمع وقدرته على العمل والإنتاج والتطوير. والشباب هم الأكثر قدرة على استيعاب التكنولوجيا الحديثة والأسرع في اكتساب المهارات الجديدة والأقدر على التكيف مع متطلبات المستقبل.. ومع ذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفير الفرص وحدها بل في إعداد الشباب للاستفادة منها. فالعالم يتغير بسرعة غير مسبوقة والوظائف التقليدية تتراجع أمام اقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. لذلك أصبح التعلم المستمر ضرورة وليس رفاهية وأصبحت المهارة في كثير من الأحيان أكثر قيمة من الشهادة وحدها.. إن ما يريده شباب اليوم في جوهره ليس معقدا فهم يبحثون عن فرصة عادلة واحترام لعقولهم وإيمان بقدراتهم. وما تريده الدولة منهم أيضا ليس بعيدا عن ذلك فهي تحتاج إلى شباب يمتلك الوعي والكفاءة وروح المسؤولية. وبين ما يريده الشباب وما تريده الدولة توجد مساحة واسعة من المصالح المشتركة التي يمكن البناء عليها.. وفي النهاية فإن حوار الأجيال ليس ترفا فكريا ولا قضية موسمية تظهر في المناسبات ثم تختفي بل هو ضرورة وطنية. فكل جيل يحمل جزءًا من الخبرة وجزءا من الحلم ولا يمكن لأمة أن تتقدم إذا فقدت القدرة على الجمع بينهما. وعندما يدرك الشباب أن الوطن يحتاج إليهم وتدرك المؤسسات أن الشباب ليسوا مجرد مستقبل قادم بل حاضر فاعل، يصبح الحوار أكثر عمقا وتصبح الطريق إلى المستقبل أكثر وضوحا وتتحول الاختلافات إلى جسور تعبر عليها الأمم نحو التقدم والنهضة.

