من صفحات التاريخ إلى خريطة العالم.. مشروع يعيد اكتشاف جوهرة المنيا الأثرية
المنيا؛ تلك المحافظة التي تختزن بين جنباتها ذاكرة أمة كاملة، وتحتضن فوق أرضها شواهد حضارية تحكي رحلة الإنسان المصري عبر آلاف السنين، لم تكن يومًا مجرد نقطة على خريطة الجغرافيا، بل كانت مسرحًا مفتوحًا لتعاقب الحضارات وتلاقي الثقافات، حيث يلتقي الماضي بالحاضر ليصنع رؤية للمستقبل.
ففي عالم أصبحت فيه السياحة أكثر من مجرد انتقال بين الأماكن، وتحولت إلى رحلة لاكتشاف الهوية والإنسان والتاريخ، تدرك الدول أن الحفاظ على التراث وإعادة تقديمه للعالم يمثلان استثمارًا في الوعي قبل أن يكون استثمارًا في الاقتصاد.

السياحة بمفهومها الحديث
حيث لم تعد السياحة في مفهومها الحديث مجرد صناعة قائمة على استقبال الزائرين، أو وسيلة لتحقيق عائد اقتصادي فحسب، بل أصبحت أحد أدوات بناء الهوية وتعزيز الحضور الحضاري للدول، فالأمم التي تمتلك تاريخًا عريقًا لا تكتفي بالحفاظ على آثارها داخل جدران صامتة، وإنما تعمل على إعادة تقديمها للعالم باعتبارها رسائل حية تحمل قصص الإنسان والحضارة عبر الزمن.
ومن هذا المنطلق، تواصل الدولة المصرية جهودها لإعادة اكتشاف كنوزها الأثرية، وتطوير المناطق التاريخية، وتحويلها إلى مقاصد سياحية متكاملة تجمع بين الحفاظ على التراث وتحقيق التنمية المستدامة.
وفي قلب هذه الرؤية، تعود منطقة آثار البهنسا بمحافظة المنيا إلى دائرة الاهتمام، باعتبارها واحدة من المواقع التي تختزن صفحات متعددة من التاريخ المصري، وتمثل نموذجًا فريدًا لالتقاء الحضارات على أرض واحدة. فهذه المدينة العريقة لم تكن مجرد موقع أثري، وإنما كانت شاهدًا على تعاقب حضارات مختلفة تركت بصماتها في المكان، بداية من العصر الفرعوني مرورًا بالعصرين اليوناني والروماني، وصولًا إلى العصر القبطي والإسلامي، لتصبح البهنسا سجلًا مفتوحًا لتاريخ مصر الممتد عبر آلاف السنين.

الحفاظ على التراث
وتأتي التحركات الأخيرة لتطوير المنطقة في إطار خطة الدولة للنهوض بقطاع السياحة والآثار، والتي تقوم على فلسفة أساسية مفادها أن الحفاظ على التراث لا ينفصل عن الاستثمار فيه، وأن المواقع الأثرية يمكن أن تتحول إلى مراكز جذب عالمية إذا ما تم تطويرها وفق رؤية متكاملة تراعي القيمة التاريخية وتوفر في الوقت ذاته الخدمات التي يحتاجها الزائر.
وقد أعادت الزيارة التي قام بها الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، واللواء عماد كدواني، محافظ المنيا، تسليط الضوء على القيمة التاريخية والدينية لمنطقة البهنسا، حيث أكدت الزيارة أهمية إعداد تصور شامل لتطوير المنطقة وتعظيم الاستفادة من مقوماتها الأثرية والسياحية، بما يضعها في المكانة التي تستحقها ضمن خريطة السياحة الدينية والثقافية في مصر.
وفي هذا الإطار، قامت لجنة معاينة موسعة بزيارة منطقة البهنسا، تنفيذًا لتوجيهات لجنة الثقافة والإعلام والآثار بمجلس النواب، وبناءً على الطلب المقدم من النائب محسن حتة، عضو مجلس النواب، بهدف دراسة احتياجات المنطقة ووضع رؤية عملية لتطويرها والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة للزائرين.

الآثار الإسلامية والقبطية
وضمت اللجنة ممثلين عن عدد من الجهات المعنية، من بينها وزارة الأوقاف، وقطاع الآثار الإسلامية والقبطية، وقطاع المتاحف، ومحافظة المنيا، ومركز ومدينة بني مزار، إلى جانب مسؤولي السياحة والآثار بالمحافظة، حيث أجرت اللجنة جولة ميدانية تفقدية شاملة لمختلف المواقع الأثرية بالمنطقة، للوقوف على الحالة الراهنة وتحديد أولويات التطوير.
وشملت أعمال المعاينة عددًا من المواقع ذات الأهمية التاريخية، من بينها الأضرحة والمزارات الإسلامية، ومسجد الحسن بن صالح، ومسجد علي الجمام، بالإضافة إلى المناطق المحيطة بها، وذلك بهدف إعداد تصور متكامل يوازن بين الحفاظ على الطابع الأثري للمكان وتطويره ليكون أكثر قدرة على استقبال الزائرين من داخل مصر وخارجها.
وأكدت اللجنة أن البهنسا تمتلك مقومات استثنائية تجعلها مؤهلة لتصبح واحدة من أهم المقاصد السياحية الدينية والثقافية في مصر، لما تضمه من عدد كبير من الأضرحة والمقامات ذات القيمة التاريخية، إلى جانب ما تحتويه من شواهد حضارية تؤكد ثراء المنطقة وتنوعها عبر العصور المختلفة.

تطوير المناطق الأثرية
ويأتي تطوير البهنسا ضمن استراتيجية أوسع تتبناها الدولة المصرية لتطوير المناطق الأثرية، تعتمد على عدة محاور رئيسية، من بينها رفع كفاءة البنية الأساسية، وتحسين تجربة الزائر، وتوفير الخدمات، وربط المواقع الأثرية بالمسارات السياحية، بما يسمح بتحويل المناطق التاريخية من مواقع للزيارة العابرة إلى وجهات متكاملة تستقطب السائحين.
وانتهت اللجنة إلى عدد من التوصيات المهمة التي تمثل الخطوات الأولى في طريق التطوير، من أبرزها تطوير المنطقة المحيطة بمسجد الجمام، وإنشاء ممرات للمشاة لتسهيل حركة الزائرين، وترميم عدد من الأضرحة التاريخية، واستكمال أعمال البنية الأساسية والخدمات، بما يضمن الحفاظ على القيمة الأثرية للمكان وتقديم تجربة سياحية أكثر جودة.
كما تضمنت التوصيات إنشاء قاعة عرض تفاعلية توثق تاريخ مدينة البهنسا وحضارتها الممتدة عبر العصور، وتزويد المنطقة بلوحات إرشادية باللغتين العربية والإنجليزية لتعريف الزائرين بأهمية المواقع المختلفة، إلى جانب تطوير ساحات انتظار السيارات ودورات المياه، وصيانة وترميم مسجد الحسن بن صالح، وإنشاء مصلى للسيدات بما يلبي احتياجات الزوار.
وتكشف هذه الخطوات عن تحول مهم في فلسفة التعامل مع المواقع الأثرية، فلم تعد الآثار مجرد شواهد على الماضي، وإنما أصبحت عنصرًا فاعلًا في صناعة المستقبل.

الوعي بالهوية المصرية
فكل حجر يحمل قصة، وكل موقع تاريخي يمثل فرصة لتعزيز الوعي بالهوية المصرية، ودعم الاقتصاد المحلي، وخلق فرص جديدة مرتبطة بالسياحة والخدمات والصناعات الثقافية.
وتؤكد التجربة المصرية أن تطوير السياحة لا يبدأ فقط من إنشاء المنشآت الحديثة، بل يبدأ من إعادة قراءة التاريخ وتقديمه بصورة تليق بقيمته. فالمواقع الأثرية تحتاج إلى رؤية تجعلها حاضرة في وجدان الأجيال الجديدة، وقادرة على مخاطبة العالم بلغة العصر.
ومن هنا، فإن مشروع تطوير البهنسا لا يمثل مجرد عملية ترميم أو تحسين للخدمات، بل يمثل جزءًا من مشروع وطني أكبر لإحياء ذاكرة المكان، وإعادة تقديم الحضارة المصرية في صورتها الكاملة، بما يجمع بين عبق التاريخ ومتطلبات المستقبل.
فمصر التي تمتلك واحدة من أغنى الحضارات الإنسانية تدرك أن حماية التراث ليست حفاظًا على الماضي فقط، وإنما بناء لجسر يصل الماضي بالحاضر والمستقبل. وفي هذا السياق، تصبح البهنسا نموذجًا جديدًا لرؤية الدولة في تحويل كنوزها الأثرية إلى طاقة تنموية وثقافية وسياحية، تعكس عظمة الحضارة المصرية وتضعها في المكانة التي تستحقها على خريطة السياحة العالمية.



