سر المشروع المزدوج.. مدارس تصنع الخبراء ونبات يتحول إلى ثروة غير متوقعة
الحضارات لا تقاس بما تملكه من أنهار، بل بما تمتلكه من عقول تعرف كيف تدير كل قطرة ماء؛ فالمياه ليست مجرد مورد طبيعي، وإنما اختبار دائم لقدرة الإنسان على تحويل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى مسارات للتنمية.
وفي عالم تتزايد فيه الضغوط المناخية وتتسابق الدول على تأمين مستقبلها المائي، لم يعد الاستثمار في السدود والقنوات وحده كافيًا، بل أصبح الاستثمار في الإنسان هو الضمان الحقيقي لاستدامة الموارد.
جيل جديد من الكفاءات
ومن هذا المنطلق، تتجه مصر إلى بناء جيل جديد من الكفاءات المتخصصة، قادر على قيادة منظومة المياه بعقل علمي ورؤية تكنولوجية، بالتوازي مع تبني حلول مبتكرة تحول حتى النباتات التي كانت تعد عبئًا على المجاري المائية، مثل ورد النيل، إلى قيمة اقتصادية وتنموية.
إنها فلسفة جديدة تؤكد أن مستقبل المياه يبدأ من المدرسة، وينضج في مراكز التدريب، ويثمر على أرض الواقع.
بدأت القصة في خطوة تعكس تحولًا استراتيجيًا في إدارة الموارد المائية، عقب ان اعلنت وزارة الموارد المائية والري تنفيذ واحدة من أكثر المبادرات طموحًا لتأهيل الكوادر الفنية، عبر التعاون مع وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني لإنشاء خمس مدارس فنية تكنولوجية متخصصة لإعداد "فنيي الجيل الثاني" في مجال إدارة الموارد المائية، بالتزامن مع تبني نماذج مبتكرة للاستفادة الاقتصادية والبيئية من نبات ورد النيل، الذي طالما اعتُبر أحد أكبر التحديات أمام المجاري المائية.
هذه الخطوات تأتي ضمن رؤية "الجيل الثاني لمنظومة المياه 2.0"، التي تعتمد على بناء الإنسان قبل تطوير البنية التحتية، وإعداد كوادر تمتلك المعرفة التكنولوجية والقدرة على إدارة منظومة المياه وفق أحدث المعايير العالمية.
مدارس جديدة ومهنة جديدة
التقرير الذي تلقاه الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، كشف عن بدء الإجراءات التنفيذية لبروتوكول التعاون مع وزارة التربية والتعليم لإنشاء خمس مدارس فنية تكنولوجية متخصصة، في سابقة تُعد الأولى من نوعها في قطاع الموارد المائية.
وتهدف المدارس إلى إعداد جيل جديد من الفنيين يمتلك مهارات تشغيل وصيانة وإدارة منشآت الري، والتعامل مع الشبكات الهيدرومترية، وأنظمة القياس الرقمية، وأدوات التحول الرقمي، وتقنيات إدارة الموارد المائية الحديثة، بما يواكب التطورات المتسارعة في هذا القطاع الحيوي.
ويُنتظر أن تسهم هذه المدارس في سد الفجوة بين التعليم الفني واحتياجات سوق العمل، من خلال مناهج تطبيقية وبرامج تدريب ميداني، بما يضمن تخريج كوادر جاهزة للعمل داخل مؤسسات الدولة والمشروعات القومية المرتبطة بالمياه.
فنيي الجيل الثاني
تعتمد استراتيجية وزارة الري على أن نجاح مشروعات المياه لا يرتبط فقط بإنشاء القنوات أو محطات الرفع، بل بوجود عناصر بشرية قادرة على تشغيلها وصيانتها وإدارتها بكفاءة.
ولهذا، أصبح الاستثمار في الكوادر الفنية أحد أهم محاور "منظومة المياه 2.0"، التي ترتكز على بناء القدرات البشرية، والتحول الرقمي وكذا الاعتماد على البحث العلمي والابتكار، بالإضافة إلى رفع كفاءة التشغيل والصيانة، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي.

وأكد الدكتور هاني سويلم أن ربط التدريب بالمسار الوظيفي أصبح جزءًا أساسيًا من خطة الوزارة، بما يضمن إعداد كوادر قادرة على مواكبة التطور المؤسسي وتحقيق مستهدفات الدولة في قطاع المياه.
ورد النيل
ولم تقتصر أنشطة مركز التدريب الإقليمي على إعداد الكوادر فقط، بل تضمنت عرض تجربة رائدة بقرية الشقر بمحافظة بني سويف للاستفادة من نبات ورد النيل.
فعلى مدار سنوات، مثّل ورد النيل تحديًا كبيرًا بسبب استهلاكه كميات ضخمة من المياه، وإعاقته لحركة المجاري المائية، وتأثيره على جودة المياه.
لكن التجربة التي جرى عرضها قدمت نموذجًا مختلفًا، يقوم على تحويل هذا النبات إلى مادة خام تدخل في صناعات ومنتجات متعددة، بما يسهم في تقليل تكلفة إزالة النبات من الترع والمصارف، وكذا توفير فرص عمل جديدة، بالإضافة إلى إنتاج منتجات ذات قيمة اقتصادية، ودعم مفاهيم الاقتصاد الدائري والاستدامة البيئية.
وتعكس هذه التجربة توجه الدولة نحو تحويل التحديات البيئية إلى فرص تنموية، والاستفادة القصوى من الموارد المتاحة.
برامج تتجاوز الحدود
وكشف التقرير أيضًا عن تنفيذ مجموعة واسعة من البرامج التدريبية، من بينها البرنامج الإقليمي لتصميم وتشغيل وصيانة الشبكات الهيدرومترية، وبرنامج "سفراء المياه الأفارقة" في نسخته الثانية.
والمستوى الثاني لتحليل البيانات ضمن برامج الترقي، وبرنامج "التحول الاجتماعي والاقتصادي من خلال المياه" بالتعاون مع منظمة اليونسكو، والندوة الإلكترونية للإدارة المتكاملة لأحواض الأنهار (HELP 2.0) بالتعاون مع برنامج اليونسكو الهيدرولوجي الدولي.
وشارك في هذه البرامج متدربون من عدة دول إفريقية، إلى جانب العاملين بوزارة الموارد المائية والري وممثلي المجتمع المدني، بما يعزز مكانة مركز التدريب الإقليمي كمنصة إقليمية لتبادل الخبرات وبناء القدرات.
تدريب مرتبط بالترقي
وشدد وزير الموارد المائية والري على ضرورة الاستمرار في تطبيق لائحة التدريب الجديدة، بما يتيح لكل موظف اختيار البرامج التي تتناسب مع طبيعة عمله، مع متابعة استكمال الساعات التدريبية المطلوبة للترقي بين الدرجات الوظيفية المختلفة، وهو ما يربط التطوير المهني مباشرة بالمسار الوظيفي داخل الوزارة.
رؤية للمستقبل
في ختام توجيهاته، دعا الدكتور هاني سويلم إلى مواصلة تطوير منظومة التدريب والتوسع في البرامج التخصصية، مع نقل أحدث الخبرات العالمية إلى الكوادر المصرية والإفريقية.
وفي النهاية تؤكد هذه التحركات أن الدولة لا تكتفي بتطوير البنية التحتية للمياه، بل تعمل بالتوازي على بناء العنصر البشري، عبر إنشاء مدارس متخصصة، وتطوير التدريب، وتبني حلول مبتكرة مثل إعادة توظيف ورد النيل، بما يضمن إدارة أكثر كفاءة واستدامة للموارد المائية خلال السنوات المقبلة.