داخل الكواليس الصناعية.. مشروع يعيد تشكيل قواعد اللعبة بقلب القاهرة
في لحظات التحول الكبرى لا تقاس قيمة الصناعة بما تنتجه من مركبات أو آلات فحسب، بل بما تعكسه من قدرة أمة على استعادة ذاكرتها الإنتاجية وإعادة صياغة علاقتها بالمستقبل.
فالمصانع ليست مجرد جدران من الحديد، بل هي تجسيد حي لفكرة التقدم حين تتحول المعرفة إلى قوة، والعمل إلى هوية، والتكنولوجيا إلى أداة لصناعة البقاء والمنافسة.
ومن هذا المنظور، تصبح القلاع الصناعية القديمة شاهدًا على زمن مضى، وبوابةً محتملة لزمن جديد يُعاد فيه تعريف معنى التنمية والتوطين والاستقلال الصناعي.

ذاكرة الصناعة المصرية
ففي لحظة تتقاطع فيها ذاكرة الصناعة المصرية مع رهانات المستقبل، تبرز شركة النصر لصناعة السيارات بوصفها واحدة من أهم القلاع الصناعية التي شكّلت عبر عقود جزءًا أصيلًا من هوية الاقتصاد الوطني.
هذه القلعة، التي ارتبط اسمها بمرحلات مختلفة من تطور الصناعة في مصر، تعود اليوم إلى واجهة المشهد من جديد، ولكن في سياق مختلف يحمل عنوانًا عريضًا: توطين الصناعة وبناء قاعدة إنتاجية قادرة على المنافسة الإقليمية والدولية.
وفي هذا الإطار، قام الدكتور حسين عيسى، نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، بجولة ميدانية داخل عدد من المواقع والمشروعات الصناعية والإنتاجية، كان أبرزها زيارة تفقدية إلى شركة النصر لصناعة السيارات التابعة للشركة القابضة للصناعات المعدنية بحلوان، وذلك في إطار متابعة جهود الدولة لتعميق التصنيع المحلي وتعزيز دور القطاع الصناعي في دعم الاقتصاد الوطني.
وتحمل هذه الزيارة دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي التقليدي للجولات الميدانية، لتطرح سؤالًا أعمق حول مستقبل الصناعة الوطنية، وكيف يمكن إعادة توظيف الأصول الإنتاجية التاريخية بما يواكب متطلبات العصر، ويستجيب لتحولات الاقتصاد العالمي.
وكان في استقبال نائب رئيس مجلس الوزراء كل من المهندس محمد السعداوي، رئيس الشركة القابضة للصناعات المعدنية، والدكتور نبيل حماد، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة النصر لصناعة السيارات، إلى جانب عدد من قيادات الشركة، في مشهد يعكس أهمية الحدث وخصوصية الموقع الصناعي الذي يمثل أحد أعمدة الصناعة الثقيلة في مصر.
وتفقد الدكتور حسين عيسى خلال الجولة مصنع الأتوبيسات، حيث تابع مراحل الإنتاج المختلفة والطرازات المنتجة من حافلات النقل الجماعي.

توبيسات نصر سكاي
وشملت المعروضات أتوبيسات “نصر سكاي” السياحية بنسبة مكون محلي وصلت إلى 63.5%، إلى جانب الميني باص “نصر ستار” بنسبة مكون محلي تتجاوز 70%، فضلًا عن الميني باص الكهربائي، في مؤشر واضح على تصاعد نسب الاعتماد على المكون المحلي، وتنامي قدرات التصنيع الوطني.
ولم تكن الجولة مجرد استعراض لخطوط إنتاج، بل كانت قراءة في ملامح تحول صناعي أعمق، حيث استمع نائب رئيس مجلس الوزراء إلى شرح تفصيلي حول منظومة الإنتاج وخطط التوسع المستقبلية، والتي تستهدف زيادة نسب التصنيع المحلي، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في سوق يتسم بتغيرات متسارعة في معايير الجودة والتكنولوجيا.
وامتدت الجولة إلى مصنع سيارات الركوب (الملاكي)، الذي يُعد من أحدث مصانع السيارات في مصر والشرق الأوسط، حيث اطلع على خطوط الإنتاج والتكنولوجيا المتطورة المستخدمة، ونماذج السيارات المنتجة، التي تعكس تطورًا ملحوظًا في البنية الصناعية والتقنية للمصنع.
ويكتسب هذا التطوير أهمية خاصة في ظل توجه الدولة نحو إعادة إحياء شركة النصر باعتبارها رمزًا من رموز الصناعة الوطنية، وإحدى القلاع التي لعبت دورًا تاريخيًا في بناء قاعدة التصنيع المحلي، قبل أن تدخل في مراحل من التراجع، لتعود اليوم إلى مسار جديد من إعادة الإحياء والتحديث.
كما شملت الجولة تفقد المنطقة الجمركية الخاصة بالشركة، والاطلاع على منظومة العمل والخدمات اللوجستية الداعمة للعملية الإنتاجية، بما يعكس رؤية متكاملة لا تقتصر على خطوط الإنتاج فقط، بل تمتد إلى البيئة التشغيلية المحيطة، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من كفاءة الصناعة.
التحول الأخضر

وخلال الجولة، تم استعراض خطط تطوير البنية التحتية للمجمع الصناعي، وأعمال إعادة تأهيل وتحديث خطوط الإنتاج، إلى جانب خطط التوسع في إنتاج المركبات الحديثة، وعلى رأسها الأتوبيسات الكهربائية، في إطار توجه الدولة نحو دعم النقل المستدام والتحول الأخضر وخفض الانبعاثات، بما يتسق مع المعايير البيئية العالمية.
كما تم التطرق إلى تفعيل وثيقة الشراكة الاستراتيجية بين شركة النصر للسيارات ومجموعة “فاو كار” الصينية، والتي تم توقيعها بحضور رئيس مجلس الوزراء، بهدف تصنيع مجموعة من السيارات تحت العلامة التجارية “نصر”، وهو ما يمثل خطوة نوعية في مسار نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة.
وأكد نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية أن ما تشهده شركة النصر لصناعة السيارات من عمليات تطوير وتحديث يعكس بوضوح توجه الدولة لإعادة إحياء القلاع الصناعية الوطنية، وإعادة دمجها في منظومة الإنتاج الحديثة، بما يضمن تعظيم الاستفادة من الأصول المتاحة، ورفع مساهمتها في الاقتصاد الوطني.
وشدد على أن صناعة السيارات تعد من القطاعات الاستراتيجية ذات الأولوية، لما تمثله من قيمة مضافة عالية، وقدرتها على خلق فرص عمل، وتعزيز الصادرات، وتوطين التكنولوجيا، مشيرًا إلى أن الدولة تمضي بخطوات ثابتة نحو بناء قاعدة صناعية قوية قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.

النصر للسيارات
وفي سياق فلسفي أعمق، يمكن النظر إلى تجربة "النصر للسيارات" باعتبارها نموذجًا لتحول أوسع في فلسفة الدولة تجاه الصناعة؛ تحول لا يكتفي بإعادة تشغيل المصانع، بل يسعى إلى إعادة تعريف معنى الصناعة ذاتها، بوصفها فعلًا حضاريًا يعكس قدرة الدولة على إنتاج القيمة، لا مجرد استهلاكها.
وأشار المسؤول الحكومي إلى أن التوسع في إنتاج المركبات الكهربائية يعكس رؤية مستقبلية تتسق مع التحولات العالمية في قطاع النقل، وتدعم التوجه نحو الاقتصاد الأخضر، مؤكدًا حرص الحكومة على دعم المشروعات الصناعية القائمة على التكنولوجيا الحديثة.
كما أشاد بما حققه العاملون داخل الشركة من تطور ملموس، مؤكدًا أن العنصر البشري يظل حجر الزاوية في أي عملية تنمية صناعية، وأن العاملين يمثلون العمود الفقري لهذا الكيان الصناعي العريق، الذي يعاد تشكيله اليوم على أسس جديدة تجمع بين الخبرة التاريخية والتكنولوجيا الحديثة.

مجلس الوزراء
وفي ختام الزيارة، أكد نائب رئيس مجلس الوزراء استمرار دعم الحكومة للمشروعات الصناعية الوطنية، وتعزيز الشراكات الاستثمارية ونقل التكنولوجيا، بما يسهم في رفع القدرة التنافسية للصناعة المصرية، وزيادة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، وتحقيق أهداف التنمية الصناعية المستدامة، في مسار يبدو أنه يعيد رسم علاقة مصر بصناعتها، من جديد وبنظرة أكثر اتساعًا وعمقًا نحو المستقبل.



