دكتورة مها عبد القادر تكتب: الكلمة وجبر الخواطر
الكلمة روح تسري في الوجدان، وقوة خفية تحرك العقول وتوجه السلوك وتترك بصماتها في مسيرة الإنسان، فهي قادرة على أن تزرع الأمل في أرض أنهكها اليأس، وأن تشيد جسور المحبة والتفاهم بين البشر، كما قد تثير الشقاق وتعمق الجراح إذا فارقتها الحكمة والمسؤولية، ومنذ فجر الحضارة الإنسانية أدرك الإنسان سطوة الكلمة وعظيم أثرها، فجعل منها وعاء للمعرفة والحكمة، وسلاحًا للإصلاح والتنوير، وأساسًا تبنى عليه العلاقات الإنسانية، ولذلك غدت الكلمة إحدى أعظم القوى التي أسهمت في صناعة التاريخ، وتشكيل الوعي، وترسيخ منظوماتها الأخلاقية والإنسانية.
وجاء اقتران الكلمة بالشرف والفضيلة عبر التاريخ ثمرة وعيٍ إنساني عميق بحجم تأثيرها في تشكيل العقول وصياغة الوجدان وبناء العلاقات بين الناس،ن فالقيمة الحقيقية للكلمة تستمد من صدق مضمونها ونبل مقصدها وسلامة أثرها، لذلك فإن شرف الكلمة يتحقق بما تحمله من أمانة ومسؤولية واحترام للحقيقة والإنسان، والكلمة الشريفة هي تلك التي تنبع من ضمير يقظ، وعقل متزن، وقلب مشبع بقيم الرحمة والعدل والإنصاف؛ فتأتي منسجمة مع مقتضيات الحكمة، بعيدة عن التهويل والتجريح، حريصة على الإصلاح، والجمع، والبناء، وحين تصاغ الكلمة بهذا الوعي الأخلاقي الرقي، تتحول إلى قوة ناعمة ترسخ الثقة بين الناس، وتنمي مشاعر الاحترام المتبادل، وتعزز أواصر التلاحم الاجتماعي، فتصبح ركيزة من ركائز الاستقرار الإنساني والحضاري، وأداةً فاعلة في ترسيخ قيم الخير والتعايش والتسامح داخل المجتمع.
ومن أسمى تجليات أثر الكلمة في النفس الإنسانية قدرتها الفريدة على جبر الخواطر، ذلك الخُلق الرفيع الذي يعد من أرقى صور الرحمة وأصدق معاني الإنسانية، فجبر الخاطر يحتاج إلى قلب نابض بالتعاطف، وروحٍ تدرك احتياجات الآخرين، ولسانٍ ينتقي من العبارات ما يداوي يحيي الأمل ويبتعد عما يؤذي، فكثيرًا ما تكون كلمة مواساة صادقة قادرة على انتشال إنسان من أعماق الحزن، أو إعادة الثقة إلى النفس، فالإنسان مهما امتلك من أسباب القوة المادية، يظل في حاجة دائمة إلى التقدير المعنوي والشعور بالاحتواء والقبول، ويحتاج كذلك إلى ما يغذي روحه ويمنحه الإحساس بقيمته وكرامته ومكانته بين الناس، وتحيطه بقلوب تشاركه مشاعره وتسانده في أوقات ضعفه.
وأعظم ما يميز الكلمة الجابرة للخواطر أنها تتجاوز حدود اللحظة التي قيلت فيها؛ فبينما قد تنسى كثير من المواقف مع مرور الزمن، تبقى بعض الكلمات محفورة في الذاكرة والوجدان، يستعيدها الإنسان كلما ضاقت به السبل أو اشتدت عليه المحن، وكم من شخص غيرت كلمة تشجيع مسار حياته، وأيقظت فيه طاقاتٍ كانت خامدة، وكم من نفسٍ كادت تنكسر فأنقذتها عبارة صادقة جاءت في الوقت المناسب؛ ولهذا فإن الكلمة الطيبة فعل إنساني راقٍ يحمل في طياته قوةً هائلة على التخفيف من آلام الناس وإشاعة السكينة في نفوسهم؛ لذلك فالمجتمعات التي تسود فيها ثقافة جبر الخواطر بالكلمة هي مجتمعات أكثر تماسكًا ورحمةً وتكافلًا، لأن أفرادها يدركون أن الاحترام والتشجيع حاجات إنسانية تسهم في بناء الشخصية السوية وتعزيز الروابط الاجتماعية وتجعل الحياة أكثر إنسانية ودفئًا وجمالًا.
وقد تتحول الكلمة إلى أداة للأذى حين تفقد بعدها الأخلاقي والإنساني، فالكلمات الجارحة قد تستقر في الذاكرة وتتحول إلى ندوب نفسية يصعب محوها، وكم من علاقة إنسانية انهارت بسبب كلمة قاسية، وكم من موهبة انطفأت نتيجة استهزاء أو تحقير، وكم من إنسان فقد ثقته بنفسه بسبب خطاب سلبي متكرر، ولهذا كان الوعي بأثر الكلمة ضرورة أخلاقية واجتماعية، لأن المتحدث لا يملك دائمًا تقدير حجم التأثير الذي قد تُحدثه عباراته في نفوس الآخرين، ويمتد أثر الكلمة إلى ما هو أبعد من الدائرة الفردية، ليشمل المجتمع بأسره، فالمجتمعات تُبنى بالقوانين والمؤسسات وكذلك بالخطاب الذي يسود بين أفرادها، وعندما تنتشر لغة الاحترام والتقدير والحوار الرشيد، تتعزز الثقة الاجتماعية ويترسخ الشعور بالمواطنة والانتماء، أما حين تسود لغة السخرية والإقصاء والتخوين، فإن النسيج الاجتماعي يتعرض للتصدع، وتتسع مساحات الشك والعداء بين الناس؛ لذلك تعد الكلمة المسؤولة إحدى أهم أدوات البناء الحضاري، لأنها تسهم في تشكيل الوعي الجمعي وتوجيه الطاقات نحو العمل المشترك وتحقيق المصالح العامة.
ويمتد تأثير الكلمة لتصبح في طليعة عوامل النهضة والتغيير وأسهمت في نهضة الأمم وتقدم الحضارات، فقد أثبتت التجارب الإنسانية عبر العصور أن الأفكار العظيمة التي غيرت مسار الشعوب والأمم بدأت بفكرة واعية عبرت عنها كلمة صادقة، استطاعت أن تنفذ إلى العقول والقلوب، وأن توقظ الوعي الجمعي، وتدفع الناس إلى العمل والتغيير، فكم من خطاب ملهم أشعل جذوة الأمل في أمة كانت ترزح تحت وطأة اليأس، وكم من كتاب فكري أو عمل أدبي خالد أعاد تشكيل الوعي الإنساني وفتح آفاقًا جديدة للفكر والمعرفة، فالكلمات التي خلدها التاريخ كانت تعبيرًا عن رؤى عميقة وقيم سامية ومواقف شجاعة، ولذلك تجاوز أثرها حدود زمانها ومكانها لتصبح جزءًا من الذاكرة الإنسانية المشتركة.
الكلمة الواعية تمتلك قدرة استثنائية على توجيه الرأي العام، وبناء القناعات، وترسيخ المبادئ، وصناعة التحولات الفكرية والاجتماعية التي تمهد لنهضة الأمم وازدهارها، ولهذا كانت الكلمة على الدوام سلاح المصلحين والمفكرين، ومنارة العلماء والأدباء، ووسيلة القادة في بث الوعي وتحفيز الشعوب على تجاوز التحديات وصناعة مستقبل أفضل، وبالتالي تتعاظم مسؤولية المثقفين والأدباء والمفكرين وأصحاب الرأي، لأنهم يحملون أمانة الكلمة وتأثيرها في تشكيل الوعي العام، فالكلمة حين توجه لخدمة الحقيقة، والدفاع عن القيم الإنسانية، وتعزيز الحكمة وثقافة العقل والحوار، تصبح قوة بناءة تسهم في ترسيخ الوعي والنهوض بالمجتمع، أما حين تسخر للتضليل أو إثارة التعصب أو تكريس الانقسام، فإنها تفقد رسالتها الأخلاقية وتتحول إلى أداة تعيق التقدم وتضعف تماسك المجتمع، ولذلك تظل الكلمة الواعية والمسؤولة إحدى أعظم أدوات الإصلاح الحضاري، لأنها قادرة على بناء الإنسان الركيزة الأولى في بناء الأوطان وصناعة المستقبل.
وتتبلور أهمية الكلمة في قدرتها على ترسيخ قيم التعايش والتسامح داخل المجتمعات المتنوعة، حيث يعد التعدد الثقافي والفكري والديني حقيقة إنسانية أصيلة وثراءً حضاريًا لا يمكن إنكاره أو تجاوزه، غير أن تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة وإثراء يتطلب خطابًا واعيًا يقوم على الاحترام المتبادل، والاعتراف بحق الآخر في الاختلاف، والإيمان بأن التنوع يمكن أن يكون أساسًا للتكامل والتعاون، ومن ثم تبرز قيمة الكلمة المعتدلة التي تفتح نوافذ الحوار، وتقرب المسافات بين البشر، وتبدد سوء الفهم، وتؤسس لثقافة قائمة على التفاهم وقبول الآخر واحترام كرامته الإنسانية، مهما اختلفت آراؤه أو خلفياته الفكرية والثقافية، فالمجتمعات التي تنجح في بناء خطاب متزن ومسؤول، يجمع بين حرية التعبير واحترام الآخر، تكون أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار الاجتماعي، وترسيخ السلم الأهلي، وصيانة وحدتها الوطنية في مواجهة مختلف التحديات والأزمات.
وتزداد أهمية هذا الدور عندما نتأمل مسؤولية المؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية في تشكيل الوعي العام وترسيخ القيم الإنسانية، فالمعلم يسهم من خلال كلماته ومواقفه في بناء شخصية الأجيال الناشئة، وغرس قيم الاحترام والثقة بالنفس والتسامح والمسؤولية في نفوسهم، وقد تكون كلمة تشجيع صادقة من معلم واعٍ سببًا في إطلاق طاقات الإبداع لدى طالب، كما قد تترك كلمة قاسية أثرًا سلبيًا يمتد لسنوات طويلة، كذلك الإعلام، بما يمتلكه من قدرة واسعة على الوصول والتأثير، فإنه يتحمل مسؤولية مضاعفة في توجيه الرأي العام وصياغة الوعي المجتمعي، فالإعلامي ينقل الأحداث والوقائع ويشارك في تشكيل طريقة فهم الناس لها وتفسيرهم لمعانيها ونتائجها، ومن ثم يمكن للكلمة الإعلامية أن تكون أداة لتعزيز الوعي والتماسك الوطني ونشر ثقافة الحوار، كما يمكن أن تتحول، إذا افتقدت المهنية والمسؤولية، إلى وسيلة للتضليل أو الإثارة أو تأجيج الاستقطاب والانقسام.
ويأتي المثقف والأديب في مقدمة حملة الرسالة الفكرية والحضارية، حيث تمتد رسالتهما من الإبداع لتشمل الإسهام في بناء الإنسان وتشكيل وعيه والارتقاء بوجدانه، فالكلمة الأدبية والفكرية الراقية تتجاوز رصد الواقع وتصوير ملامحه إلى مساءلته ونقد اختلالاته واستشراف آفاقه المستقبلية، بما يفتح أمام الإنسان مساحات أوسع للفهم والتأمل، وهي في الوقت ذاته تسعى إلى تنوير العقل، وصقل الذائقة، وتعميق الحس الإنساني، وترسيخ قيم الحق والخير والجمال بوصفها مرتكزات أساسية لأي نهضة حضارية حقيقية، ومن خلال هذا الدور التنويري يصبح المثقف شريكًا فاعلًا في صناعة الوعي الجمعي، وحارسًا للقيم النبيلة، وصوتًا للعقل والحكمة في مواجهة الجهل والتعصب والانغلاق، كما يصبح الأديب جسرًا يربط بين المعرفة والمسؤولية، وبين الحرية الواعية والالتزام الأخلاقي، فيسهم بكلمته في تعزيز ثقافة الحوار، وترسيخ روح التسامح، وإيقاظ الشعور بالمسؤولية تجاه قضايا المجتمع والإنسان، وبذلك تتحول الكلمة إلى قوة حضارية مؤثرة، قادرة على بناء العقول وتهذيب النفوس، وتمهيد الطريق نحو مجتمع أكثر وعيًا وانفتاحًا وتماسكًا، وأكثر قدرة على التعايش والتقدم وصناعة مستقبل يليق بكرامة الإنسان وتطلعاته.
تظل الكلمة مرآة صادقة لأخلاق صاحبها، ومقياسًا لوعيه وإنسانيته، فهي رسالة تحمل في طياتها القدرة على التأثير والتغيير وبقدر ما تستطيع الكلمة أن تجبر الخواطر، وتبعث الأمل في النفوس، وتخفف من آلام الإنسان ومعاناته، فإنها تمتلك كذلك القدرة على بناء المجتمعات، وترسيخ قيم التعايش والتسامح والسلام، وتعزيز أواصر المحبة والتفاهم بين الناس، ومن ثم فإن الارتقاء بالكلمة ارتقاء بالإنسان نفسه، وبمستوى وعيه الأخلاقي والحضاري، لأن الكلمة المسؤولة هي انعكاس لضمير حي وعقل مستنير وقلب يؤمن بقيمة الإنسان وكرامته، ولذلك فإن الأمم العظيمة تُقاس بما تمتلكه من ثروات مادية أو إمكانات حضارية، وبما يسود فيها من خطاب راقٍ يشيع الاحترام، ويعزز ثقافة الحوار، ويصون كرامة الإنسان، ويجعل من الكلمة وسيلة للبناء وللتقارب وللإصلاح وحين يدرك الإنسان عظمة الكلمة وأمانة استخدامها، ويجعل منها جسرًا للمحبة والتفاهم والتعاون، فإنه يسهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا ورحمةً وتماسكًا، ويشارك في صناعة مستقبل إنساني أكثر إشراقًا، تزهر فيه قيم الخير والجمال، وتمارس فيه أسمى معاني التعايش والسلام والنهوض الحضاري.