رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

اللواء الدكتور أحمد البكري يكتب: 30 يونيو.. عندما انتصرت الدولة المصرية على مشروع الفوضى

اللواء الدكتور أحمد
اللواء الدكتور أحمد البكري

في تاريخ الأمم لحظات فارقة لا تُقاس بعدد الأيام التي مرت عليها، وإنما بحجم التأثير الذي أحدثته في مصير الشعوب ومستقبل الدول، ومن بين هذه اللحظات الخالدة في التاريخ المصري الحديث تبرز ثورة الثلاثين من يونيو باعتبارها واحدة من أعظم اللحظات التي مرت على الوطن، فبعد عام من اختطاف الدولة على يد عصابة الاخوان وخداعهم للشعب، أعتقد الاخوان أن الامر قد استقر لهم، وأن الشعب قد استسلم لحكمهم ولن يثور من جديد، وانهم قد يستمروا في حكم مصر لقرنً من الزمان هاكذا اعتقد الاخوان واخذوا يمنون أنفسهم وجماعتهم بذلك.

ولكن كان للشعب رأىً اخر لقد شعر الشعب بأنه غريب في موطنه شعر بأن مصر تم اختطافها، فكانت ثورة 30 يونيو حين قرر الشعب المصري أن يستعيد دولته ويصون هويته ويحمي مؤسساته من مشروع كان يهدد بتحويل مصر من دولة وطنية عريقة إلى ساحة للصراع والانقسام والفوضى.

لقد أثبتت أحداث السنوات التي سبقت ثورة 30 يونيو أن التحديات التي واجهتها مصر لم تكن مجرد خلافات سياسية أو تنافس حزبي على السلطة، بل كانت صراعاً حقيقياً بين مفهوم الدولة الوطنية الحديثة وبين مشروع أيديولوجي عابر للحدود، يضع مصالح التنظيم فوق مصالح الوطن، ويمنح التنظيم الوصاية على الامة، فالرئيس لم يكن سوى واجهة وستار تدير الجماعة البلاد من خلفه.

كما أن خروج الشعب المصرى في 30 يونيو إلى الشوارع والميادين في مشهد مهيب، لم يكون دفاعاً عن حكومة أو معارضه لأخرى، وإنما كا دافعاً عن فكرة الدولة ذاتها، كانوا يدافعون عن مصر التي عرفوها عبر آلاف السنين، فمصر أكبر من أن تدار بمنطق تنظيم جماعة منغلقة كالاخوان أو ان تُختزل في مشروع سياسي أو تنظيمي مهما كانت شعاراته.

رغم ما شهدته البلاد على مدار السنوات الماضية من محاولات تشكيك بعض الأطراف، داخلياً وخارجياً في حقيقة ما جرى في 30 يونيو، إلا أن جميع محاولاتهم باءت بالفشل فالحقائق التاريخية تظل عصية على التزييف، فالملايين الذين احتشدوا في مختلف المحافظات المصرية لم يخرجوا استجابة لدعوة مؤسسة أو حزب أو تيار سياسي، وإنما خرجوا لاسترداد الوطن.

وأن ما قامت به القوات المسلحة في تلك اللحظة ليس سوى استجابة لإرادة شعبية واضحة، وانحيازاً لمطالب الجماهير التي ملأت الميادين مطالبة بتصحيح المسار، ومن هنا اكتسبت ثورة 30 يونيو شرعيتها التاريخية والشعبية، باعتبارها ثورة شعبية مكتملة الأركان أعادت للدولة توازنها وأعادت للمواطن ثقته في مؤسسات وطنه.

بعد أكثر من عقد على سقوط حكم جماعة الإخوان، لا تزال بعض قيادات التنظيم تراهن على إمكانية العودة إلى المشهد السياسي المصري من جديد، مستندة إلى حملات إعلامية منظمة أو محاولات استغلال بعض التحديات الاقتصادية التي تواجهها الدولة المصرية، شأنها شأن معظم دول العالم في ظل الأزمات الدولية المتلاحقة.

غير أن هذه الرهانات تبدو بعيدة كل البعد عن قراءة الواقع المصري الحقيقي، فالجماعة نجحت في خداع الشعب ودفعة للمشاركة في ثورة 25 يناير 2011 ووثوبهم على السلطة، الا أن تمكنهم من الحكم لمدة عام كانت تجربة واختبار عملي كشف للمصريين الفارق بين الشعارات والواقع، وبين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية.

ومن ناحية أخرى، فإن الدولة المصرية نفسها لم تعد كما كانت قبل عام 2013، فرغم ما أصاب البلاد من دمار وخراب على يد تنظيم الاخوان واتباعة في موجات عنف وتخريب وحصار اقتصادى مدعومة من قوى خارجية استمرت حتى 2018 الا أن البلاد شهدت عملية إعادة بناء شاملة لمؤسساتها الأمنية والاقتصادية والإدارية، وتم تنفيذ مشروعات قومية عملاقة عززت من قدرة الدولة على الصمود ومواجهة التحديات، واسقطت كل المراهنات التي كانت تعلق عليها جماعة الاخوان أمالها بخروج الشعب في ثورة جياع لاسقاط النظام، وعودتهم للحكم من جديد.

إن وصول الاخوان للسلطة في مصر لم يكن حدث داخلى وانما هو جزء من مخطط الفوضى الخلاقة الذى فرضته أمريكا على المنطقة، فكما فعلت في الثورة الإيرانية بتنصيب الخومينى ليكون مرشداً اعلى للثورة وبالتبعية قائداً دينياً للشيعة، ارادت من ثورات الربيع العربى تصعيد الاخوان وتمكينهم من الدول العربية ذات المذهب السنى ليكون للسنى مرشد اعلى وهو المرشد العام للتنظيم الدولى للاخون مقابل للمرشد الأعلى للشيعة فيهسل عليها التحكم في العالم الاسلامى بمذهبيه السنى والشيعى، ولكن الشعب المصرى كان بالمرصاد لهذا المخطط، ورغم مطالبة الاخوان للإدارة الامريكية بالتدخل العسكرى في مصر لاعادة الاخوان للسلطة، لم تتمكن الإدارة الامريكية من التدخل لمعرفتها بطبيعة الشعب المصرى ووحدته ووقوفه خلف القوات المسلحة المصرية، وفشل كل المساعى الامريكية لاحداث الوقيعة بين الشعب والجيش والشرطة المصرية.

أدى نجاح الشعب المصرى في اسقاط نظام الاخوان الى سعى العديد من دول المنطقة والعالم الى إعادة تقييم علاقتها بجماعة الاخوان والجماعات الدينية الموجودة على أراضيها، ولهذا لم يعد الحديث عن عودة الجماعة إلى السلطة في مصر مطروحاً بجدية لدى غالبية المراقبين والمتابعين للشأن المصري، لأن المعادلات التي سمحت بصعودها لم تعد قائمة، ولأن الوعي الشعبي الذي تشكل بعد التجربة أصبح أكثر حصانة تجاه محاولات إعادة تسويق الأفكار ذاتها بصور مختلفة.

إن الاحتفاء بذكرى 30 يونيو لا ينبغي أن يقتصر على استدعاء أحداث الماضي، بل يجب أن يكون مناسبة لتجديد الوعي بأهمية الحفاظ على الدولة واستكمال مسيرة البناء والتنمية، فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على تجاوز الأزمات، وإنما بقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص للنهوض والتقدم.

ولا شك أن مصر تواجه اليوم تحديات اقتصادية وإقليمية ودولية معقدة، إلا أن الفارق الجوهري بين الأمس واليوم هو أن الدولة المصرية باتت تمتلك مؤسسات أكثر قوة وخبرة، وشعباً أكثر وعياً، وقدرة أكبر على التعامل مع المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن إسقاط الدولة أسهل كثيراً من بنائها، وأن الحفاظ على الأوطان يتطلب وعياً دائماً بالمخاطر التي تحيط بها، سواء كانت مخاطر الإرهاب أو التطرف أو الحروب المعلوماتية أو محاولات التشكيك المستمرة في مؤسسات الدولة الوطنية.

وأخيراً يجب على الشعب المصرى أن يكون أكثر يقظة لما تقوم به جماعة الاخوان من خلال قياداتها الهاربة في الخارج، والتي تسعى الى تجميل صورة الاخوات من خلال الاعتزار للشعب المصرى والترويج لرغبة الجماعة في العودة للبلاد والمساهمة في بناء الوطن مستغلين في ذلك وسائل التواصل الاجتماعى واللعب على مشاعر المواطنين والعاطفة الدينية لديهم، فالجماعة تريد تكرار تجربتها السابقة فرغم ما ارتكبته من مجازر في حق الشعب المصرى في الخمسينات والستينات من القرن الماضى نجحت في العودة من جديد خلال السبعينات تحت مسمى الجماعة الإسلامية.. ولكننا نراهن على وعى الشعب المصرى وعلى ما وفرته التكنولوجيا من توثيق للكوارث التي ارتكبها التنظيم والتي لا تقبل التشكيك فيها فهى موثقة بالصوت والصورة لاتستطيع الجماعة انكارها، كما أن استحضارها عبر وسائل الاعلام يذكر الشعب بتلك الأيام فلا ينخدع من جديد، حفظ الله مصرنا من كل سوء.

تم نسخ الرابط