كيف أعادت بطلة جمباز كرمها "السادات" صياغة التاريخ المصري بالفخار؟
تأخذك نبرات صوتها المفعم بالحيوية والطاقة الإيجابية في رحلة عبر آلة الزمن، لتعود بك إلى عصر دافئ لم نعد نلمحه سوى في حكايات الأجداد وشاشات "الزمن الجميل". إنها الفنانة "سهير سيد"، المرأة الخمسينية التي قررت ألا تترك التراث المصري يندثر تحت عجلات التكنولوجيا الحديثة، فامتدت أصابعها لتشكل الفخار، محولةً الطين الأصم إلى تماثيل حية تروي فلكلوراً شعبياً أوشك على الانقراض.
من السطح إلى المعارض.. شرارة البداية "طبلية أمي".
لم تكن بداية سهير عادية؛ فقد ولدت فكرتها من رحم الفقد. تحكي والدموع تلمع في عينيها: "بدأت قصتي عندما اختفت 'طبلية أمي' والفرن الطيني من فوق سطح بيتنا بعد وفاة والدي.. شعرت حينها أن ملامح هويتنا تتلاشى، فقررت أن أعيد هذا التراث للأجيال الجديدة حتى لا يطويه النسيان".
لم تكتفِ سهير بالتشكيل، بل تحولت إلى "حكاءة تاريخية" للأطفال؛ تشرح لهم قصة كل قطعة تصنعها، وتستمد فخرها من علامات الدهشة والبسمات التي ترتسم على وجوه الصغار وهم يكتشفون تفاصيل منسية في كتب التاريخ.
فرقة "الست" و"الغزية".. توثيق حي بالصلصال
تتميز أعمال سهير بالدقة التاريخية الشديدة؛ فهي لا تصنع مجرد تماثيل، بل توثق حقبة كاملة. بين يديها، تجد "كوكب الشرق" أم كلثوم بكامل فرقتها الموسيقية، فلا يكتمل المشهد دون "القصبجي" وفرقته خلفها. كما نقلت تفاصيل حياة الفلاح المصري وزوجته وهما يتناولان وجبتهما البسيطة على الطبلية، وجسدت تاريخ الرقص الشرقي بصورته القديمة أيام "الغزية"، حين كانت ترتدي ملابسها الكاملة وطرحتها المميزة، فضلاً عن مجسم "القهوجي" بزيه التراثي الأصيل.
الحلم لا يموت: من بطلة جمهورية إلى "ماما بتلعب في الطين"
خلف هذه الفنانة تاريخ حافل من التحدي؛ فقد كانت في شبابها بطلة للجمباز على مستوى الجمهورية، ونالت تكريماً خاصاً من الرئيس الراحل أنور السادات. تغير مسار حياتها بالزواج قبل أن تكمل المرحلة الإعدادية، لتفرغ طاقتها في رعاية بيتها وصغارها.
لكن الطموح لم يغادر قلبها؛ فعندما وصل أبناؤها للمرحلة الإعدادية، قررت خوض المغامرة معهم. كانت تذاكر معهم وتنافسهم قائلة: "أنا رايحة أمتحن زيكم"، لتسترد حقها في التعليم الذي حُرمت منه. وعندما بدأت تخطو خطواتها الأولى في تشكيل الطين تحت إشراف أستاذها "إبراهيم غامرى"، واجهت سخرية المقربين الذين قالوا بتهكم: "ماما كبرت وبتلعب في الطين!".
النهاية السعيدة.. عندما يتعلم "الأساتذة" من الهواة
أثبتت سهير للجميع أن الشغف الحقيقي قادر على صنع المعجزات. تحولت "سخرية الطين" إلى معارض ناجحة وتهافت واسع على أعمالها؛ بل إن المفارقة الأجمل تمثلت في إقبال أساتذة من كلية الفنون الجميلة عليها، يطلبون منها تعليمهم أسرار هذه الحرفة النادرة التي أوشكت على الانقراض في مصر.
تختتم سهير قصتها بوجه يفيض بالامتنان لولديها "ريهام ورامي" اللذين كانا خط دفاعها الأول ودعمها الأكبر في رحلتها، متمنية أن يظلوا دائماً بجانبها ليتذوقوا معاً طعم النجاح الذي صُنع من طمي النيل وصبر السنين.



