“صلاحيات الحرب” تشعل أزمة دستورية معقدة في أمريكا بسبب حرب ترامب ضد إيران
تحولت الحرب التي يخوضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران إلى واحدة من أكثر الأزمات الدستورية تعقيدًا داخل الولايات المتحدة، وسط تصاعد الجدل القانوني والسياسي بشأن حدود صلاحيات الرئيس وقدرة الكونغرس على وقف العمليات العسكرية.
وكشفت مجلة “فورين بوليسي” أن الأزمة الحالية لا تتعلق بالحرب فقط، بل تعكس تحولات عميقة داخل النظام السياسي الأميركي، بعدما توسعت صلاحيات السلطة التنفيذية تدريجيًا على حساب الكونغرس خلال العقود الماضية.
خبراء: النظام السياسي الأميركي يعاني اختلالًا واضحًا
ونقلت المجلة عن أستاذ القانون الدستوري والدولي في جامعة تافتس، مايكل غلينون، قوله إن استمرار حرب “غير شعبية” دون وجود آلية فعالة لإيقافها يمثل “تعليقًا مأساويًا على اختلال النظام السياسي الأميركي”.
وأوضح أن ما يحدث حاليًا يتعارض مع التصور الذي وضعه الآباء المؤسسون للولايات المتحدة عند توزيع صلاحيات الحرب بين المؤسسات الدستورية المختلفة.
“قانون صلاحيات الحرب” في قلب الأزمة
ويتمحور الجدل القانوني حول “قانون صلاحيات الحرب” الصادر عام 1973، والذي يُلزم الرئيس الأميركي بإنهاء أي عمليات عسكرية لم تحصل على تفويض رسمي من الكونغرس خلال مدة لا تتجاوز 60 يومًا.
لكن إدارة دونالد ترامب تعتبر أن وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه في 8 أبريل الماضي أدى إلى “تجميد” احتساب المهلة الزمنية، بحجة توقف العمليات العسكرية مؤقتًا.
في المقابل، رفض عدد من الخبراء القانونيين هذا التفسير، مؤكدين أن القانون لا يتضمن أي نص يسمح بتجميد المدة المحددة.
ووصف مايكل غلينون التبرير الذي تقدمه الإدارة الأميركية بأنه “ضعيف قانونيًا إلى حد كبير”.
استمرار المواجهات يضعف موقف الإدارة الأميركية
وأشار التقرير إلى أن خدمة الأبحاث التابعة للكونغرس أوضحت، في دراسة صدرت أواخر عام 2025، أن مفهوم “الأعمال العدائية” لا يقتصر على الاشتباكات المباشرة فقط، بل يشمل أي حالة قد تؤدي إلى اندلاع نزاع مسلح.
وبحسب التقرير، فإن العمليات العسكرية الحالية ضد إيران تندرج ضمن الحالات التي تُفعّل مهلة الستين يومًا المنصوص عليها في القانون.
كما نقلت المجلة عن المستشار القانوني السابق لوزارة الخارجية الأميركية جون بيلينغر قوله إن الوقائع الميدانية تؤكد استمرار الأعمال العدائية، مشيرًا إلى أن تبادل الهجمات يجعل من الصعب الادعاء بأن الحرب قد توقفت بالفعل.
روبيو: القوات الأميركية سترد على أي هجوم
وفي المقابل، دافع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن العمليات العسكرية الجارية، مؤكدًا أن القوات الأميركية سترد على أي هجوم يستهدفها.
وجاءت تصريحات روبيو بعد تعرض مدمرات أميركية لهجمات إيرانية في مضيق هرمز خلال الأسابيع الماضية، ما زاد من حدة التوتر العسكري في المنطقة.
الميزانية الدفاعية تمنح ترامب مرونة واسعة
ورأت “فورين بوليسي” أن الحجم الضخم للميزانية العسكرية الأميركية يمثل أحد أبرز أسباب ضعف قدرة الكونغرس على وقف الحرب.
وأشارت المجلة إلى أن الإنفاق الدفاعي الأميركي تجاوز تريليون دولار ضمن موازنة عام 2026، إضافة إلى أكثر من 153 مليار دولار أُقرت ضمن حزم سياسات منفصلة، ما يمنح وزارة الدفاع مرونة كبيرة في تمويل العمليات العسكرية.
الديمقراطيون يحاولون تقييد تمويل الحرب
وبحسب التقرير، يسعى بعض الديمقراطيين إلى فرض قيود على أي تمويل دفاعي جديد لمنع استخدامه في توسيع العمليات العسكرية ضد إيران، في محاولة مشابهة لما حدث خلال حرب فيتنام.
لكن هذه الجهود تصطدم بإمكانية استخدام الرئيس الأميركي حق النقض “الفيتو”، وهو ما يتطلب أغلبية الثلثين داخل الكونغرس لتجاوزه، الأمر الذي يبدو صعبًا في ظل الانقسام السياسي الحالي.
المحاكم الأميركية تتجنب التدخل في النزاع
وأكدت المجلة أن المحاكم الأميركية تواصل تجنب التدخل المباشر في النزاعات المرتبطة بصلاحيات الحرب، إذ تمنح السلطة التنفيذية هامشًا واسعًا في قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية.
كما سبق للمحكمة العليا الأميركية أن اعتبرت الخلافات بين الكونغرس والرئيس بشأن السياسة الخارجية “نزاعات سياسية” ينبغي حلها بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وليس عبر القضاء.
اختبار حقيقي للنظام الدستوري الأميركي
واعتبر مايكل غلينون أن الصراع الحالي بشأن الحرب مع إيران لا يتعلق فقط بملف سياسي أو عسكري، بل يمثل اختبارًا حقيقيًا لطبيعة النظام الدستوري الأميركي وحدود سلطة الرئيس.
وأشار إلى أن الأزمة الحالية تعكس حصيلة قرون طويلة من الصراع التاريخي حول الجهة التي تملك قرار الحرب داخل الأنظمة السياسية.



