معركة مختلفة في سيناء.. مشروع جديد يكشف ملامح المرحلة المقبلة في بئر العبد؟
في مشهد يحمل دلالات تتجاوز حدود الافتتاحات التقليدية، شهدت محافظة شمال سيناء خطوة جديدة على طريق إعادة رسم خريطتها الاقتصادية، مع افتتاح مصنع شركة سيناء الوطنية للصناعات البلاستيكية بمدينة بئر العبد، بحضور الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، وعدد من الوزراء وكبار المسؤولين.
الحدث، الذي بدا للوهلة الأولى افتتاحًا صناعيًا عاديًا، يكشف في عمقه عن تحول استراتيجي في فلسفة التنمية داخل سيناء، من مرحلة تثبيت الاستقرار إلى مرحلة الانطلاق الاقتصادي.

من المعارك لساحة الإنتاج
على مدار عقود، ارتبطت شمال سيناء في الأذهان بساحات المواجهة والتحديات الأمنية، لكن اليوم، تسعى الدولة إلى تغيير هذه الصورة جذريًا، عبر ضخ استثمارات نوعية تُعيد تعريف دور المحافظة في الاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الوزراء أن المشروع يأتي تنفيذًا لتوجيهات عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، التي تستهدف مدّ مظلة التنمية الصناعية إلى جميع أنحاء البلاد، مع التركيز على المناطق الواعدة مثل سيناء.
مصنع بئر العبد
المصنع الجديد لا يمثل مجرد وحدة إنتاج، بل يُعد أول مشروع صناعي داخل المنطقة الصناعية ببئر العبد، وكذا نقطة انطلاق لإنشاء قاعدة صناعية متكاملة في شمال سيناء، بالإضافة إلى كونه نموذجًا للشراكة بين الدولة والقطاع الخاص
ويأتي المشروع على مساحة تقارب 20 ألف متر مربع، بتكلفة استثمارية تصل إلى 530 مليون جنيه، ما يعكس حجم الرهان على مستقبل الصناعة في المنطقة.
ماذا ينتج المصنع؟
بحسب تصريحات الدكتور حسن فهمي، رئيس مجلس إدارة الشركة الوطنية لاستثمارات سيناء، فإن المصنع يستهدف إنتاج الشكائر المنسوجة (للأسمنت، السكر، الدقيق، الأعلاف، الملح)، وكذا منتجات بلاستيكية متنوعة تخدم قطاعات الصناعات الغذائية، الزراعة، الأعلاف، الأسمدة، مواد البناء.

كما يتبنى خطة طموحة لفتح أسواق تصديرية، خاصة في القارة الأفريقية.
طاقة إنتاجية ضخمة.
أوضح اللواء إبراهيم عجلان أن مصنع الشكائر المنسوجة، وهو أحد مكونات المشروع، يقام على مساحة 5200 متر مربع، بطاقة إنتاجية تصل إلى 55 مليون عبوة سنويًا
ويعتمد المصنع على خطوط إنتاج حديثة مستوردة من شركات هندية متخصصة، وكذا تقنيات متقدمة تغطي جميع مراحل التصنيع، ونظم صارمة لمراقبة الجودة
من الخيط إلى المنتج
داخل خطوط الإنتاج، تبدأ العملية بفحص المواد الخام، غزل خيوط البولي بروبلين، عمليات النسيج، التبطين، الكبس وإعادة التدوير، القص والخياطة، الطباعة، ومراقبة الجودة النهائية
وهو ما يعكس سلسلة إنتاج متكاملة تُواكب المعايير العالمية.
أبناء سيناء
من أبرز ملامح المشروع تشغيل 170 عاملًا بينهم 79 عاملًا من أبناء سيناء (بنسبة 46%)؛ كما يتيح المشروع مشاركة أبناء سيناء في ملكية الأسهم، ما يعزز مفهوم التنمية بالمشاركة وليس فقط بالتوظيف.
ليست صناعة فقط
أوضح اللواء الدكتور خالد مجاور، محافظ شمال سيناء، أن المشروع يأتي ضمن رؤية أشمل تعتمد على محورين الأول هوا البنية التحتية، والتي تمل شبكة طرق قومية، وموانئ بحرية وجوية، وسكك حديدية، بالإضافة إلى أنفاق "تحيا مصر".
ثانيا منظومة التنمية والتي تأتي عن طريق استثمارات حكومية حتى 2030، وتحفيز القطاع الخاص، وكذا دعم التنمية البشرية عبر مئات المؤسسات
رسالة طمأنة
وجهت إدارة المشروع دعوة صريحة للمستثمرين، مؤكدة أن المناخ الاستثماري أصبح مهيأ، وكذا البنية التحتية جاهزة، بالإضافة إلى الدعم الحكومي المتواصل
مع مطالب بإنشاء مركز خدمات المستثمرين داخل المنطقة الصناعية لتسهيل الإجراءات.
لماذا المشروع مهم الآن؟
يرى محللون أن توقيت الافتتاح يحمل رسائل متعددة منها انتقال سيناء من الأمن إلى الاقتصاد، وتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاستيراد، وفتح أسواق تصديرية جديدة، وكذا خلق فرص عمل مستدامة
فصل جديدة بقصة التنمية
لم يعد الحديث عن سيناء مقتصرًا على الماضي أو التحديات، بل أصبح يدور حول المستقبل والفرص؛ ومصنع بئر العبد ليس مجرد منشأة صناعية، بل إشارة واضحة إلى بداية فصل جديد في قصة التنمية.
وفي النهاية ففي أرضٍ عرفت الحروب، تُكتب اليوم معركة مختلفة، معركة الاقتصاد والإنتاج وبناء الإنسان.



