رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

أسرار التنمية تدار بصمت.. ماذا يحدث داخل مشروعات الري في قنا؟

ارشيفية
ارشيفية

في محافظة قنا، حيث تمتد الأرض بين التاريخ والزراعة كأنها ذاكرة مفتوحة على الزمن، لا تبدو مشروعات تطوير الري مجرد أعمال هندسية أو خطط إنتاج، بل محاولة لإعادة صياغة علاقة الإنسان بالماء وبالأرض وبفكرة البقاء نفسها.

هناك، في قلب الحقول التي طالما اعتمدت على القصب كمحصول حياة، يصبح الماء أكثر من مورد، بل سؤالًا وجوديًا عن العدالة في توزيعه، وعن قدرة الإنسان على تحويل الندرة إلى استمرارية، والتحدي إلى نظام أكثر توازنًا.

وفي هذا السياق، لا تُقرأ الجولات الميدانية ولا مشروعات التطوير بوصفها إجراءات إدارية فقط، بل كجزء من محاولة أوسع لإعادة ترتيب المشهد الزراعي بما يقترب من فكرة "الاستدامة" في معناها العميق، حيث تتقاطع التقنية مع الأرض، ويُختبر المستقبل داخل تفاصيل الحاضر.

نقلة نوعية في إدارة المياه

بدأت القصة في قلب محافظة قنا، حيث تمتد مزارع القصب كأحد أهم أعمدة الاقتصاد الزراعي في صعيد مصر، حيث جاءت الجولة الميدانية بمركز قوص لتسلط الضوء على مرحلة جديدة من تطوير منظومة الري ودعم زراعة القصب، في إطار توجه حكومي يستهدف رفع كفاءة الإنتاج وتحسين استخدام الموارد المائية.

وتأتي هذه التحركات تنفيذًا لتوجيهات وزير الزراعة واستصلاح الأراضي علاء فاروق، الذي شدد على أهمية المتابعة الميدانية المستمرة للمشروعات الزراعية، خاصة في المناطق الأكثر ارتباطًا بالمحاصيل الاستراتيجية وعلى رأسها قصب السكر.

قوص بقلب الخريطة

شهد مركز قوص جولة تفقدية موسعة قام بها كل من الدكتور أحمد عضام، رئيس قطاع شئون التعاونيات والمديريات والتدريب، والدكتور هاني درويش، رئيس الهيئة العامة للجهاز التنفيذي لمشروعات تحسين الأراضي، يرافقهما المهندس أبو العباس عبد الفتاح، مدير مديرية الزراعة بقنا.

الزيارة لم تكن تقليدية، بل ركزت بشكل مباشر على تقييم الوضع التنفيذي لمشروعات تطوير الري، خاصة تلك المرتبطة بزراعة القصب، باعتباره المحصول الأكثر تأثيرًا في الاقتصاد الزراعي بالمحافظة.

محطات الري الحديثة

أبرز محطات الجولة تمثلت في تفقد عدد من محطات الري الحديث التي تعمل بالطاقة الشمسية، والتي تمثل تحولًا مهمًا في أساليب الري التقليدية.

وخلال الزيارة، تم استعراض الأثر المباشر لهذه المنظومة الجديدة، حيث أكد مسؤولو جهاز تحسين الأراضي أن تطوير المساقي ساهم في تقليل الفاقد من مياه الري، وكذا استغلال مساحات كانت مهدرة داخل المساقي التقليدية، وإضافة مساحات جديدة فعليًا إلى الرقعة الزراعية.

وهو ما يعكس توجهًا واضحًا نحو رفع كفاءة استخدام الأرض والمياه في آن واحد.

الطاقة الشمسية تغيير المعادلة

من بين النقاط البارزة في الجولة، إشادة المزارعين بالتحول إلى أنظمة الري المعتمدة على الطاقة الشمسية، والتي أسهمت في تقليل الاعتماد على السولار، وكذا خفض تكاليف التشغيل والإنتاج، بالإضافة إلى تحسين استقرار عمليات الري خلال فترات الذروة.

هذا التحول يعكس اتجاهًا أوسع نحو دمج التكنولوجيا في الزراعة التقليدية، بما يضمن استدامة الموارد وتقليل الأعباء على الفلاح.

استجابة لمطالب المزارعين

خلال اللقاءات الميدانية مع المزارعين في مركز قوص، تم الاستماع إلى عدد من المطالب العملية، أبرزها الحاجة إلى تطوير منظومة إنتاج شتلات القصب.

وبناءً على ذلك، وجهت القيادات الزراعية ببدء إعداد خطة لإنشاء مشاتل قريبة من الحقول، مع تشكيل لجنة فنية تبدأ عملها في أقرب وقت لتحديد المواقع المناسبة، بما يضمن تقليل تكاليف النقل، وتوفير شتلات بجودة أعلى، ودعم سرعة التوسع في الزراعة.

الجمعيات الزراعية تحت المتابعة

شملت الجولة أيضًا زيارة مفاجئة لجمعية “الحمر والجعافرة”، حيث تم الاطمئنان على انتظام منظومة توزيع الأسمدة للموسم الجديد.

وخلال المتابعة، تم التأكيد على سرعة توفير الحصص السمادية، وكذا توريدها للمخازن بشكل منتظم، وضمان جاهزية الصرف مع بداية الموسم الصيفي، بالإضافة إلى تشديد الرقابة على حماية الأراضي والتصدي للتعديات.

قراءة في دلالات الجولة

تعكس هذه الزيارة الميدانية أن ملف زراعة القصب في قنا لم يعد مجرد نشاط زراعي تقليدي، بل أصبح جزءًا من رؤية متكاملة تشمل تطوير نظم الري، إدخال الطاقة المتجددة، رفع كفاءة الإنتاج الزراعي، دعم الجمعيات الزراعية، تحسين بيئة العمل للفلاح

بناء منظومة أكثر كفاءة

وفي النهاية تؤكد جولة مركز قوص أن الدولة تتحرك نحو مرحلة أكثر تطورًا في إدارة الموارد الزراعية، حيث لم يعد التركيز فقط على زيادة الإنتاج، بل على إعادة بناء منظومة زراعية أكثر كفاءة واستدامة.

وفي ظل هذه التحولات، يبدو أن زراعة القصب في قنا تدخل مرحلة جديدة، عنوانها الرئيسي: "إنتاج أكثر باستهلاك أقل وبأساليب أكثر ذكاءً".

تم نسخ الرابط