سلاح القمح والأسمدة.. كيف تعيد روسيا تشكيل أمن بريكس الغذائي؟
تأتي دعوة روسيا لإنشاء احتياطيات غذائية مشتركة مع دول مجموعة "بريكس" والاتحاد الأوراسي كخطوة استباقية لإعادة رسم خارطة الأمن الغذائي العالمي بعيداً عن الهيمنة التقليدية. موسكو تدرك أن "الغذاء" بات سلاحاً جيوسياسياً موازياً للطاقة، ومن خلال اقتراح إنشاء "مخزونات عابرة للحدود"، تسعى روسيا لتحصين حلفائها ضد تقلبات الأسواق الناتجة عن الصراعات، مما يعزز من تماسك تكتل "بريكس" ككتلة اقتصادية قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي الجماعي في أحلك الظروف السياسية.
مضيق هرمز.. عصب الأسمدة الذي يهدد موائد العالم
يسلط التقرير الروسي الضوء على حقائق رقمية مرعبة؛ حيث كان مضيق هرمز يمثل شريان الحياة لثلث تجارة الأسمدة العالمية قبل اندلاع الصراع الأخير. إن "شبه انغلاق" هذا الممر الحيوي لا يهدد فقط سلاسل الإمداد، بل يضرب المدخلات الأساسية للزراعة العالمية. وبما أن نصف المحاصيل في العالم تعتمد على الأسمدة، فإن استمرار هذا الانسداد يعني الدخول في نفق مظلم من نقص الإنتاج، وهو ما تستخدمه روسيا كذريعة منطقية للدفع ببدائل لوجستية وتجارية جديدة تعتمد على موانئها ومساراتها البرية والجوية.

شبح الجوع والتضخم كأداة للضغط الدولي
التحذيرات الروسية من انخفاض إنتاجية المحاصيل إلى النصف وارتفاع عدد الجائعين إلى 673 مليون شخص ليست مجرد أرقام إحصائية، بل هي "رسائل ضغط" للمجتمع الدولي حول كلفة استمرار الصراع في الشرق الأوسط. موسكو هنا تتقاطع مع تحذيرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لتؤكد أن موجة "التضخم الغذائي" القادمة لن تستثني أحداً، مما يضع القوى الكبرى أمام خيارين: إما التهدئة أو مواجهة انفجارات اجتماعية ناتجة عن غلاء الرغيف، خاصة في الاقتصادات الناشئة والفقيرة.
روسيا من "سلة غذاء" إلى "قوة عظمى زراعية"
رغم قتامة المشهد العالمي، تقتنص موسكو الفرصة لتعزيز طموحها الزراعي بزيادة صادراتها بنسبة 50% بحلول عام 2030. إن التحرك الروسي عبر "بريكس" يهدف لتمكين المنتجات الزراعية الروسية من الوصول إلى أسواق آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية كبديل آمن ومستقر. بهذا المعنى، تسعى روسيا لتحويل "أزمة هرمز" إلى فرصة استراتيجية تكرس مكانتها كضامن أول للأمن الغذائي في "الجنوب العالمي"، مستغلة تفوقها في إنتاج الحبوب والأسمدة لفرض توازنات قوى جديدة في مرحلة ما بعد الحرب.



