رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

نظام القذف ACES II.. تكنولوجيا الثواني الأخيرة لإنقاذ طياري الـ "F-15E"

طائرات
طائرات

في عالم الطيران العسكري، حيث تصل السرعات إلى ضعف سرعة الصوت، تصبح الأعطال الفنية أو الإصابات القتالية حكماً بالإعدام ما لم يتوفر مخرج طوارئ فائق الذكاء. في طائرة F-15E Strike Eagle، لا يعد نظام قذف المقعد مجرد وسيلة هروب، بل هو معجزة هندسية مصممة لاتخاذ آلاف القرارات في أجزاء من الثانية، لضمان استخلاص الطيار من قمرة القيادة المحترقة أو المتهاوية وإعادته إلى الأرض بسلام.

ACES II.. العقل المدبر خلف القذف

تعتمد طائرات F-15E على نظام ACES II (Advanced Concept Ejection Seat)، وهو نظام "صفر-صفر" (Zero-Zero)، ما يعني قدرته على إنقاذ الطيار حتى لو كانت الطائرة متوقفة تماماً على المدرج وفي ارتفاع صفر. تبدأ العملية بشد الطيار لمقبض القذف، لتنطلق سلسلة تفاعلات كيميائية وميكانيكية؛ حيث يتم تفجير غطاء القمرة (Canopy) أو تهشيمه، ثم يشتعل محرك صاروخي أسفل المقعد ليدفعه بقوة هائلة خارج الطائرة، متجاوزاً الذيل الرأسي للمقاتلة في لمح البصر.

هندسة التتابع: منع التصادم الجوي

بما أن النسخة "E" من طائرة F-15 هي طائرة ثنائية المقاعد (طيار وضابط أنظمة تسليح)، فإن القذف العشوائي قد يؤدي إلى كارثة تصادم بين المقعدين. لذا، يتبع النظام تسلسلاً زمنياً صارماً:

المقعد الخلفي أولاً: ينطلق ضابط الأنظمة أولاً لتنظيف المسار.

المقعد الأمامي ثانياً: ينطلق الطيار بعد أجزاء من الثانية.

التباعد الجانبي: تُستخدم صواريخ توجيه صغيرة تميل بكل مقعد في اتجاه مغاير للآخر، مما يضمن ابتعادهما عن بعضهما وعن حطام الطائرة المتساقط.

ضريبة النجاة: القوى الفيزيائية العنيفة

النجاة عبر نظام القذف ليست "رحلة هادئة"، بل هي تجربة عنيفة جسدياً. يتعرض الطيار لقوة تسارع (G-Force) تصل إلى 20 ضعف قوة الجاذبية الأرضية خلال أقل من ثانية. هذه القوة المفاجئة تضغط العمود الفقري وقد تؤدي إلى كسور طفيفة أو فقدان مؤقت للوعي نتيجة اندفاع الدم بعيداً عن الدماغ. يصف الطيارون هذه اللحظة بأنها "ركلة من عملاق"، وهي إصابة مقبولة مقابل البقاء على قيد الحياة في حادث مميت.

الذكاء الاصطناعي في مواجهة الارتفاع والسرعة

يحتوي مقعد ACES II على حساسات للسرعة والارتفاع تحدد "نمط القذف" المناسب:

السرعة العالية: يتم نشر مظلة استقرار صغيرة (Drogue Chute) أولاً لمنع المقعد من الدوران العشوائي ولتقليل السرعة قبل نشر المظلة الرئيسية.

الارتفاع الشاهق: إذا تم القذف على ارتفاع يزيد عن 15 ألف قدم، يظل الطيار مثبتاً في مقعده ويزوده النظام بالأكسجين المسال، ويؤخر فتح المظلة حتى يصل إلى ارتفاع تكون فيه نسبة الأكسجين ودرجة الحرارة آمنة، لتجنب التجمد أو الاختناق.

ما بعد القفزة: المعركة من أجل البقاء

بمجرد انفصال الطيار عن المقعد وفتح المظلة، تبدأ مرحلة "البقاء على الأرض". يحتوي المقعد على حاوية تضم معدات النجاة (Survival Kit)، وتشمل جهاز CSEL المتطور الذي يرسل إشارات استغاثة مشفرة عبر الأقمار الصناعية لتحديد الموقع بدقة دون أن ترصدها قوات العدو. في ظروف الحرب، تكون هذه التكنولوجيا هي الخيط الرفيع الذي يربط الطيار بفرق الإنقاذ (CSAR) التي تتحرك فوراً لاستعادته من خلف خطوط العدو.

 التزام هندسي بالحياة

يظل نظام القذف في الـ F-15E تجسيداً للفلسفة العسكرية التي تقدّر الإنسان فوق الآلة. فرغم تكلفة الطائرة التي تصل لعشرات الملايين، يبقى الطيار هو الأصل الأغلى، ونظام ACES II هو الحارس الشخصي الذي يمنحه فرصة ثانية للحياة حينما تتوقف كل المحركات عن العمل وتصبح الجاذبية هي العدو الأول.

تم نسخ الرابط