رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

مضيق باب المندب.. ممر ملاحي في صراع النفوذ الإقليمي

مضيق باب المندب
مضيق باب المندب

لم يعد مضيق باب المندب مجرد نقطة اختناق جغرافية تربط الشرق بالغرب، بل تحول في ظل التطورات المتسارعة لعام 2026 إلى أداة ضغط استراتيجية هي الأكثر فاعلية في يد جماعة الحوثي، ومن ورائها طهران. ومع تصدع الهدنة الهشة بين الولايات المتحدة وإيران، برز تحول بنيوي في إدارة الصراع؛ حيث انتقلت "بوصلة التصعيد" من مضيق هرمز، الذي ظل لسنوات ساحة الكباش الرئيسية، إلى البحر الأحمر، ليصبح باب المندب "الرئة" التي يتحكم الحوثيون من خلالها بمدى تنفس التجارة العالمية.

سلاح "الكلفة" بدلاً من "الإغلاق"

تُشير القراءة التحليلية للمشهد إلى أن الاستراتيجية الحوثية الجديدة لا تهدف إلى الإغلاق الشامل والمادي للمضيق ـ  وهو أمر قد يستدعي ردًا دوليًا ساحقًا ـ  بل تعتمد على مبدأ "الضغط الانتقائي". هذا النموذج يحول الممر الملاحي إلى أداة لتسعير المخاطر؛ حيث تسببت التهديدات المستمرة والرقابة السياسية على السفن في قفزات جنونية في تكاليف التأمين والشحن. إن تحويل باب المندب إلى ممر "مكلف اقتصاديًا" يفرض رسومًا غير رسمية على بنية التجارة الدولية، مما يجعل كلفة العبور، وليس منعه، هي الخنجر الذي يُغرس في خاصرة الاقتصاد العالمي، مع زيادة تصل إلى آلاف الدولارات لكل حاوية.

مضيق باب المندب
مضيق باب المندب

ميناء الحديدة.. المنصة اللوجستية البديلة

يأتي انسحاب بعثة الأمم المتحدة من ميناء الحديدة ليمثل نقطة تحول خطيرة؛ إذ بات الميناء يعمل الآن بعيدًا عن أي رقابة دولية، مما مكن الجماعة من تحويله إلى قاعدة لوجستية وعسكرية متقدمة. التوسعات الأخيرة في الأرصفة ومناطق الشحن تعزز من قدرة الحوثيين على تنفيذ عمليات بحرية معقدة واستخدام الميناء كمنصة لانطلاق الطائرات المسيرة والزوارق الانتحارية، مما يمنحهم تفوقًا في "حرب الاستنزاف" البحرية التي تدار على مراحل مدروسة.

 

توزيع الأدوار وسيناريو "الاحتياطي التصعيدي"

يعكس انخراط الحوثيين المتدرج في الصراع نمطًا إيرانيًا ذكيًا في "توزيع الجبهات". فبينما تنشغل جبهات أخرى بالصدام المباشر، تُركت جبهة البحر الأحمر كـ "احتياطي تصعيدي" يتم تفعيله وفقًا لنتائج المفاوضات الإقليمية. هذا التكتيك يمنع استنزاف القدرات الحوثية مبكرًا ويجعل من تهديد الملاحة ورقة تفاوضية رابحة تُشهر في وجه المجتمع الدولي كلما ضاق الخناق على الحلفاء في طهران أو بيروت.

الفراغ الأمني ومعضلة الردع الدولي

تتجلى خطورة الموقف في الفراغ الأمني الذي خلّفه تراجع القوى البرية المناوئة للحوثيين على الساحل الجنوبي لليمن. هذا الواقع جعل أي محاولة دولية للردع تقتصر على الضربات الجوية أو البحرية الخارجية، وهي أدوات أثبتت محدوديتها في غياب سيادة ميدانية على الأرض في مناطق الإطلاق. وبذلك، يجد المجتمع الدولي نفسه أمام "معضلة ردع" حقيقية، حيث يمتلك الحوثيون ميزة المبادرة والقدرة على الاختباء والكر والفر في جغرافيا معقدة.

نضج الأدوات الجيواقتصادية

في المحصلة، نحن أمام مرحلة جديدة من "نضج الصراع"، حيث لم تعد الصواريخ هي السلاح الوحيد، بل أصبحت العقود التأمينية وسلاسل الإمداد هي ساحة المعركة الحقيقية. إن نجاح الحوثيين في تحويل باب المندب من ممر عبور إلى "نقطة نفوذ جيواقتصادي" يعزز من موقعهم في أي تسوية مستقبلية، ويضع القوى الكبرى أمام خيارين أحلاهما مر: إما القبول بشروط التفاوض الجديدة، أو التعايش مع نظام عالمي تكون فيه طرق التجارة رهينة للحسابات السياسية الإقليمية.

تم نسخ الرابط