الدولة تراهن على الصغار.. كيف تعيد المشروعات متناهية الصغر رسم خريطة السوق؟
في الاقتصاد، كما في الحياة، لا تبدأ التحولات الكبرى دائمًا من القمة، بل كثيرًا ما تنشأ من الهوامش؛ من تلك المساحات الصغيرة التي تبدو للوهلة الأولى بلا وزن، لكنها تحمل في داخلها طاقة التغيير؛ تعد المشروعات متناهية الصغر التعبير الأكثر صدقًا عن هذا المنطق، فهي ليست مجرد أرقام في دفاتر التمويل، ولا أنشطة هامشية تعيش على أطراف السوق، بل صيغة اقتصادية تعكس فلسفة الاعتماد على الإنسان قبل رأس المال، وعلى المهارة قبل الآلة.

اقتصاد الفرصة
هذه المشروعات تمثل اقتصاد الضرورة حينًا، واقتصاد الفرصة حينًا آخر، حيث يتحول الفرد من متلقٍ للدعم إلى فاعل في دورة الإنتاج، ومن باحث عن عمل إلى صانع لقيمته الاقتصادية.
ومن هنا، فإن الحديث عن المشروعات متناهية الصغر لا ينفصل عن سؤال أعمق: كيف يمكن للاقتصاد أن يكون أكثر عدالة، وأكثر قربًا من الناس، وأكثر قدرة على احتواء الطاقات الكامنة في المجتمع؟
وفي هذا السياق، لا يقتصر دور الدولة على ضخ التمويل أو إصدار القوانين، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المواطن والاقتصاد، عبر تذليل العقبات، وبناء الثقة، وتحويل النشاط الفردي البسيط إلى مشروع قابل للحياة والاستمرار.
فحين تضع الدولة يدها في يد المشروعات الصغيرة جدًا، فإنها في الحقيقة تراهن على نموذج تنموي يبدأ من القاعدة، ويعيد تعريف مفهوم النمو بوصفه عملية إنسانية بقدر ما هو عملية رقمية.

وفي خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بقطاع المشروعات متناهية الصغر، أصدر مجلس إدارة الهيئة العامة للرقابة المالية، برئاسة الدكتور محمد فريد، حزمة قرارات تنظيمية جديدة تستهدف دعم هذا القطاع الحيوي، عبر رفع الحد الأقصى للتمويل الممنوح للمشروعات متناهية الصغر، وزيادة الحد الأقصى للتغطية التأمينية لنشاط التأمين متناهي الصغر، بما يعزز من قدرة هذه المشروعات على النمو والاستدامة، ويوفر مظلة حماية مالية أوسع لأصحابها.
رفع الحد الأقصى للتمويل
وبموجب القرار رقم (1) لسنة 2026، قررت الهيئة العامة للرقابة المالية رفع الحد الأقصى للتمويل الممنوح للمشروعات متناهية الصغر من 266 ألف جنيه إلى 292 ألف جنيه، وذلك من خلال الشركات والجمعيات والمؤسسات الأهلية العاملة في مجال التمويل متناهي الصغر.
كما نص القرار رقم (2) لسنة 2026 على زيادة الحد الأقصى للتغطية التأمينية لنشاط التأمين متناهي الصغر إلى 390 ألف جنيه، مقارنة بنحو 312.5 ألف جنيه في السابق، في خطوة تهدف إلى تعزيز الحماية التأمينية لأصحاب هذه المشروعات، ومساعدتهم على مواجهة المخاطر المحتملة التي قد تهدد استمرارية أنشطتهم.

وفي ذلك الصدد أكد الدكتور محمد فريد، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، أن هذه القرارات تأتي في إطار حرص الهيئة على تطوير البيئة التنظيمية الداعمة لنمو المشروعات متناهية الصغر، وتمكين أصحابها من الحصول على خدمات تمويلية وتأمينية تتناسب مع احتياجاتهم الفعلية وطبيعة المخاطر التي يواجهونها، بما يسهم في تحقيق الاستدامة وتعزيز الشمول المالي.
أرقام تعكس التنامي الاقتصادي
وأوضح رئيس الهيئة أن مؤشرات التطبيق العملي تعكس تنامي الدور المتزايد للقطاع في دعم النشاط الاقتصادي، حيث ارتفعت قيمة التمويل غير المصرفي الموجه للمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر إلى نحو 95.7 مليار جنيه بنهاية عام 2025، بمعدل نمو بلغ 12.1%، فيما ارتفع عدد المستفيدين ليصل إلى قرابة 3.1 مليون مستفيد، وهو ما يعكس اتساع نطاق الاستفادة من خدمات التمويل غير المصرفي في السوق المصرية.

ما هي المشروعات متناهية الصغر؟
تُعد المشروعات متناهية الصغر جزءاً أصيلاً من قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر (MSMEs)، وتتميز بأنها مشروعات ذات رأس مال محدود للغاية، يعمل بها عادة من عامل واحد إلى خمسة عمال، وتنشط في مجالات إنتاجية أو تجارية أو خدمية، وتعتمد في الأساس على مهارات الأفراد وجهودهم الذاتية.
وفي مصر، تم تحديث المعايير المنظمة لهذا القطاع في فبراير 2026، ليصل الحد الأقصى للتمويل إلى 292 ألف جنيه مصري، في حين تختلف المعايير من دولة لأخرى.
عمود فقري للاقتصاد الوطني
تشير التقديرات إلى أن المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر تمثل أكثر من 90% من إجمالي المشروعات في مصر، وتستوعب الغالبية العظمى من فرص العمل في القطاع الخاص غير الزراعي.
كما تمثل المشروعات متناهية الصغر وحدها نحو 48.5% من إجمالي المنشآت الاقتصادية في البلاد، ما يجعلها عصباً حقيقياً للاقتصاد الوطني.

ولا يقتصر دور هذه المشروعات على خلق فرص العمل فحسب، بل تمتد أهميتها إلى تنشيط الاقتصاد المحلي، وخفض معدلات البطالة، وتحسين مستوى معيشة الأسر، ودعم التنمية المستدامة، خاصة في القرى والمناطق الأكثر احتياجاً.
تمكين المرأة والشباب
وتكشف البيانات أن هذا القطاع يلعب دوراً محورياً في التمكين الاقتصادي للمرأة، حيث حصلت أكثر من 1.9 مليون سيدة على تمويلات متناهية الصغر بنهاية عام 2025، كما بلغ إجمالي عدد المستفيدين من هذه التمويلات في مصر نحو 3.55 مليون مستفيد، ما يعكس الأثر الاجتماعي العميق لهذا القطاع.
جهات داعمة وشراكات موسعة
يأتي جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر (MSMEDA) في صدارة الجهات الحكومية الداعمة لهذا القطاع، من خلال برامج تمويلية وشراكات مع البنوك ومؤسسات التمويل، فضلاً عن تقديم خدمات تدريبية واستشارية لرواد الأعمال من مختلف الشرائح.

كما أبرم الجهاز اتفاقيات مع مؤسسات مصرفية كبرى، من بينها بنك القاهرة، لتمويل آلاف المشروعات بقيم تصل إلى 500 مليون جنيه، إلى جانب شراكات مع شركات تمويل متخصصة مثل تسهيل والخير للتمويل متناهي الصغر، فضلاً عن دعم من مؤسسات دولية مثل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية لتمويل مشروعات الشباب.
حزمة من الحوافز
وضعت الدولة إطاراً تشريعياً داعماً من خلال قانون تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر رقم 152 لسنة 2020، الذي أتاح حزمة من الحوافز، شملت إعفاءات ضريبية جزئية، وتخفيض الرسوم الجمركية على الآلات والمعدات، وتخصيص نسبة من المشتريات الحكومية لصالح هذه المشروعات.
كما لا يقتصر الدعم على التمويل فقط، بل يمتد إلى الخدمات غير المالية، مثل التدريب، وبناء القدرات، والاستشارات الفنية والتسويقية، وتسهيل إجراءات التسجيل والانضمام إلى الاقتصاد الرسمي.
مظلة حماية
يمثل قرار رفع الحد الأقصى للتغطية التأمينية إلى 390 ألف جنيه نقلة نوعية في مجال التأمين متناهي الصغر، حيث يوفر مظلة حماية أكثر ملاءمة لأصحاب الورش، والحرف اليدوية، والمهن البسيطة، والمشروعات المنزلية، بما يقلل من آثار الأزمات غير المتوقعة على مصادر دخلهم.

وأكد الدكتور محمد فريد أن تعزيز الحماية التأمينية يسهم في استقرار هذه الأنشطة وقدرتها على الاستمرار والنمو، ويعزز كفاءة منظومة الخدمات المالية غير المصرفية، خاصة للفئات الاقتصادية الأكثر احتياجاً.
النواة الأساسية للاقتصاد
تؤكد القرارات الأخيرة للهيئة العامة للرقابة المالية أن المشروعات متناهية الصغر لم تعد نشاطاً هامشياً، بل أصبحت في صميم الرؤية الاقتصادية للدولة، باعتبارها النواة الأساسية للاقتصاد، وأداة فعالة لتحقيق الشمول المالي، والتمكين الاقتصادي، والتنمية المستدامة.
ومع التوسع في التمويل، وتعزيز الحماية التأمينية، وتطوير الإطار التنظيمي، تبدو المشروعات متناهية الصغر أمام فرصة حقيقية للتحول من مجرد أنشطة بسيطة إلى كيانات اقتصادية مستقرة وقادرة على النمو، بما يخدم الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء.



