محمد مهنا: “الوعاء الحضاري” ذاكرة الأمة الشاملة.. وليس مجرد سجل للماضي
أكد الدكتور محمد مهنا، الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف أن ما يُعرف بـ«الوعاء الحضاري» يمثل الإطار الجامع الذي تختزن فيه الأمة تاريخها وتراثها وقيمها ومبادئها وخبراتها، موضحًا أنه لا يقتصر على كونه سجلًا للماضي، بل يتجاوز ذلك ليكون ذاكرة شاملة تُكوّن هوية الأمة وتوجه مسارها.
وأوضح الأستاذ بجامعة الأزهر، خلال حلقة برنامج "مع الناس"، المذاع على قناة الناس، اليوم الاثنين، أن هذا الوعاء لا يُختزل في الذاكرة التاريخية وحدها، بل يضم أنماطًا متعددة من الذاكرة، تشمل الذاكرة الثقافية والعلمية والتراثية، سواء في جانبها المادي كالعمران والفنون والآداب، أو المعنوي بما يتصل بالقيم والأحداث والتجارب الإنسانية. وأضاف أن من بين مكونات هذه الذاكرة أيضًا الأبعاد التشريعية والسياسية، مثل مؤسسات الأمة ودساتيرها ومعاهداتها عبر التاريخ، مؤكدًا أن هذه العناصر مجتمعة تشكل البنية الأساسية لهوية الأمم.
وأشار مهنا إلى أن القرآن الكريم قد رسّخ هذا المفهوم من خلال الدعوة إلى استحضار قصص السابقين واستخلاص العبر منها، مستشهدًا بقوله تعالى: «فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ»، وقوله سبحانه: «لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ». وبيّن أن هذه التوجيهات الإلهية تهدف إلى تفعيل الذاكرة التاريخية للأمة، بما يسهم في بناء وعيها وتصحيح مسارها.
وفي هذا السياق، نقل عن الإمام الجنيد البغدادي قوله إن القصص في القرآن «جند من جنود الله، يثبت بها أفئدة أنبيائه وأوليائه»، مستدلًا بقوله تعالى: «وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ»، معتبرًا أن استدعاء قصص الأمم السابقة، كفرعون وعاد وثمود، يمثل وسيلة لإحياء الذاكرة الإنسانية واستخلاص الدروس.
كما أشار إلى ما ورد في قصة يوسف عليه السلام، مستعرضًا حكمة تُنسب إلى زليخا بعد تقلب الأحوال، بقولها: «سبحان من جعل الملوك عبيدًا بمعصيته، وجعل العبيد ملوكًا بطاعته»، مؤكدًا أن مثل هذه المواقف التاريخية تعزز إدراك سنن التغيير في حياة الأمم والأفراد.
وشدد الدكتور محمد مهنا على ضرورة توعية المجتمعات بأهمية استدعاء ذاكرة الأمة بمختلف مستوياتها، سواء التاريخية أو الثقافية أو القيمية أو التراثية، موضحًا أن هذا الاستدعاء يسهم في إحياء الانتماء وترسيخ منظومة القيم، فضلًا عن كونه مصدرًا لتجديد الخبرة الحضارية واستلهام الدروس التي تعين على بناء الحاضر وصياغة المستقبل.