السكر بين الحقل والمصنع.. كيف تتجه الدولة نحو الاكتفاء الذاتي ؟
في عالم تتقاطع فيه تحديات الإنسان مع محدودية الموارد، يصبح توفير الغذاء حقًا وضرورة وجودية، ليس مجرد رفاهية أو نشاط اقتصادي؛ فالأمن الغذائي ليس فقط مسألة أسواق وأسعار، بل هو مرآة لقدرة الدولة على حماية كيانها واستقرار مجتمعها.
وفي قلب هذه المعادلة، تتجلى صناعة السكر كرمز للجهد الوطني المتكامل، حيث تمتد جذورها من الحقل إلى المصنع، من بذرة قصب أو شمندر إلى بلورات بيضاء، تحمل في كل حبة منها قصة إبداع، استدامة، ومثابرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي.

صناعة السكر
هنا، لا يكون السكر مجرد سلعة استهلاكية، بل نموذجًا لتجربة الدولة في تحويل الموارد إلى أمان، والصناعة إلى ضمان اجتماعي، والسياسة إلى مستقبل مستدام.
وفي ذلك الصدد وفي ظل تقلبات الأسواق العالمية والتحديات الاقتصادية التي تؤثر على السلع الاستراتيجية، يكتسب ملف الأمن الغذائي أهمية قصوى في صميم السياسات الوطنية، باعتباره عاملاً حاسمًا لاستقرار المجتمع والاقتصاد.
ومن هذا المنطلق، اجتمعت القيادة التنفيذية في مصر لتأكيد التزامها بتطوير صناعة السكر، إحدى أهم الصناعات الاستراتيجية التي تمس حياة المواطن مباشرة، وتعكس قدرة الدولة على ضمان توافر السلع الأساسية بشكل مستدام.
لقاء وزاري متكامل
في العاصمة الإدارية الجديدة، استقبل الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، كلًا من علاء فاروق وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، والدكتور بهاء الغنام، رئيس جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، لبحث سبل تطوير صناعة السكر، وتعزيز قدرتها على تلبية احتياجات السوق المحلي بكفاءة واستدامة.
وأكد وزير التموين أن صناعة السكر ليست مجرد قطاع صناعي أو زراعي، بل ركيزة استراتيجية للأمن الغذائي المصري، لما لها من تأثير مباشر على استقرار الأسواق والتحكم في الأسعار. وأوضح أن المرحلة الراهنة تتطلب تكاملًا كاملًا بين الوزارات والجهاز المعني، والشركات التابعة، والمزارعين، والباحثين الزراعيين لضمان إنتاج محلي متكامل ومستدام يقلل الاعتماد على الاستيراد.

وأضاف فاروق أن تحديث خطوط الإنتاج ورفع كفاءة التشغيل في مصانع السكر الحكومية والخاصة يسهم في زيادة الإنتاجية وتحسين جودة المنتج النهائي، مؤكدًا أن تحقيق الاكتفاء الذاتي من السكر يمثل ضمانًا للمخزون الاستراتيجي للدولة، ويحقق استقرارًا في الأسواق، ويضمن وصول السلعة إلى المواطنين بأسعار عادلة.
من الحقل إلى المصنع
استعرض علاء فاروق جهود وزارة الزراعة في تعظيم الإنتاج المحلي للسكر، سواء من خلال قصب السكر أو بنجر السكر، مع التركيز على التوسع في المساحات المنزرعة، ودعم المزارعين، واستخدام تقاوي عالية الإنتاجية، وتطبيق أحدث الأساليب الزراعية لتحسين جودة المحصول ورفع كفاءة الإنتاجية.
وأشار وزير الزراعة إلى أن البحث العلمي يلعب دورًا محوريًا في تطوير صناعة السكر، حيث تعمل مراكز البحث الزراعي، وعلى رأسها معهد بحوث المحاصيل السكرية، على تحسين الأصناف وزيادة الإنتاجية بما يتوافق مع متطلبات الصناعة الحديثة، مع تكامل كامل مع وزارة التموين وجهاز مستقبل مصر لضمان جدوى السياسات الزراعية والصناعية.
ضمان التنمية المستدامة
أكد الدكتور بهاء الغنام، رئيس جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، أن الجهاز يعتبر صناعة السكر مشروعًا قوميًّا محوريًا ضمن منظومة الأمن الغذائي. وأوضح أن الاكتفاء الذاتي لا يقتصر على زيادة الإنتاج الزراعي، بل يشمل التكامل بين الزراعة، التصنيع، والتداول، بما يضمن توافر السلعة بشكل دائم، ويحد من الاعتماد على الأسواق الخارجية، ويحقق استقرارًا للأسعار في الداخل.
وشدد الغنام على أن تعزيز القدرة الإنتاجية المحلية يساهم في تقليل الفجوة الاستيرادية، وحوكمة الأسواق، وتحقيق التوازن بين العرض والطلب، بما يدعم الاقتصاد الوطني في مواجهة الأزمات العالمية وتقلبات الأسواق.
الطريق نحو الاكتفاء الذاتي
شهد الاجتماع استعراضًا دقيقًا لوضع صناعة السكر الحالي في مصر، مع تحديد التحديات التي تواجه القطاع، سواء على مستوى الإنتاج الزراعي، أو التصنيع، أو التداول. كما تم دراسة خطط تطوير الصناعة بشكل متكامل، بدءًا من المزارع والمزارعين، مرورًا بالمصانع، وصولًا إلى الأسواق المحلية، لضمان توافر السلعة الاستراتيجية بشكل مستدام، وتعزيز دورها في الأمن الغذائي.
وفي خطوة حديثة نحو الشفافية وضبط الأسواق، تم بحث إمكانية طرح السكر للتداول في البورصة السلعية، بما يسهم في تنظيم عملية التداول، وضبط الأسعار، وتقليل حلقات الوساطة، ليصبح المواطن شريكًا في منظومة حوكمة السلع الاستراتيجية.
حضور رفيع المستوى
شارك في الاجتماع مجموعة واسعة من القيادات التنفيذية والفنية، من بينهم اللواء وليد أبو المجد نائب وزير التموين، والدكتور علاء ناجي الرئيس التنفيذي للشركة القابضة للصناعات الغذائية، وصلاح فتحي الرئيس التنفيذي لشركة السكر والصناعات التكاملية، إضافة إلى ممثلين من وزارة الزراعة، ومراكز البحث العلمي، وجهاز مستقبل مصر، والبورصة السلعية، في إطار يؤكد شمولية الرؤية وتكامل الأدوار لتحقيق الأمن الغذائي.
الاكتفاء الذاتي كهدف وطني
اختتم الاجتماع بالتأكيد على أهمية المتابعة الدورية للتنفيذ، واستمرارية التنسيق بين جميع الجهات، لضمان تطوير صناعة السكر، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتعزيز قدرة الدولة على توفير السلع الاستراتيجية للمواطنين بأمان واستقرار، في خطوة مهمة نحو بناء اقتصاد وطني متوازن، ومواطن مطمئن، وأسواق مستقرة.

