هل تحتاج النساء إلى نوم أطول من الرجال؟..دراسات علمية توضح الفروق الحقيقية
أثارت مقاطع متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، مثل "تيك توك" و"إنستجرام"، جدلًا واسعًا حول ادعاءات تفيد بأن النساء يحتجن إلى ساعة أو ساعتين إضافيتين من النوم مقارنة بالرجال، غير أن الخبراء يؤكدون أن هذه المسألة أكثر تعقيدًا من مجرد مقارنة عدد الساعات بين الجنسين.
ويشير مختصون في طب النوم إلى أن الفروق في احتياجات النوم تعود إلى تداخل عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، إضافة إلى اختلاف طرق قياس النوم نفسها.
فمعظم الدراسات تعتمد إما على استبيانات ذاتية، وهي أقل دقة بسبب صعوبة تقدير الأفراد لعدد ساعات نومهم، أو على وسائل علمية أكثر موضوعية مثل أجهزة تتبع النوم وفحوصات تخطيط النوم، التي ترصد نشاط الدماغ والتنفس وحركة الجسم أثناء النوم.
وتُظهر البيانات العلمية أن النساء ينمن، في المتوسط، مدة أطول قليلًا من الرجال، إذ تشير دراسات حديثة إلى فارق يقارب 20 دقيقة فقط، فقد كشفت دراسة عالمية شملت نحو 70 ألف شخص يستخدمون أجهزة تتبع النوم عن وجود فرق بسيط لكنه ثابت بين الجنسين عبر مختلف المراحل العمرية، حيث بلغ الفارق بين 23 و29 دقيقة لدى الأشخاص في الأربعينيات من العمر.
كما أوضحت أبحاث أخرى، اعتمدت على تخطيط النوم في المختبرات، أن النساء يقضين وقتًا أطول في مرحلة النوم العميق مقارنة بالرجال، بينما تتراجع جودة النوم لدى الرجال بشكل أوضح مع التقدم في العمر.
إلا أن هذه النتائج لا تعني بالضرورة أن كل امرأة تحتاج إلى نوم أطول من كل رجل، إذ تختلف احتياجات النوم من شخص لآخر، تمامًا كما تختلف الخصائص الجسدية بين الأفراد.
والمفارقة اللافتة، بحسب الخبراء، أن النساء رغم نومهن مدة أطول وعمق أكبر في المتوسط، يعانين من اضطرابات النوم أكثر من الرجال، حيث تزيد احتمالية تشخيصهن بالأرق بنحو 40%.
ويُرجع الباحثون هذا التناقض إلى أن الدراسات المخبرية تستبعد عوامل واقعية مؤثرة، مثل الضغوط اليومية، والمسؤوليات الأسرية، والتغيرات الهرمونية.
وتبرز الفروق البيولوجية بشكل أوضح خلال مراحل الحياة المختلفة، بدءًا من سن البلوغ، مرورًا بالحمل وما بعد الولادة، وصولًا إلى مرحلة ما قبل انقطاع الطمث.
وتلعب الهرمونات الأنثوية، وعلى رأسها الإستروجين والبروجسترون، دورًا رئيسيًا في تنظيم النوم، إذ يؤدي انخفاضها قبل الدورة الشهرية أو خلال فترة ما قبل انقطاع الطمث إلى نوم متقطع واستيقاظ متكرر ليلًا.
ولا تقتصر الأسباب على العوامل الهرمونية فقط، إذ تسهم حالات صحية شائعة بين النساء، مثل اضطرابات الغدة الدرقية ونقص الحديد، في تدهور جودة النوم.
كما أن النساء أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب والقلق، وهما من أبرز الأسباب المرتبطة بالأرق، فضلًا عن ظاهرة كثرة التفكير والاجترار الذهني، التي تؤثر سلبًا على القدرة على النوم.
وعلى الصعيد الاجتماعي، تتحمل النساء في كثير من المجتمعات عبئًا أكبر من الأعمال المنزلية والرعاية غير المدفوعة، ما يقلل فرص الراحة خلال النهار، ويجعل النوم الليلي الوسيلة الأساسية لاستعادة الطاقة، الأمر الذي يضاعف الضغط على هذه العملية الحيوية.
ويؤكد مختصون في الممارسة السريرية أن شعور النساء الدائم بالتعب لا يرتبط دائمًا بقلة ساعات النوم، بل قد يكون نتيجة تراكم الضغوط اليومية، أو مشكلات صحية غير مشخصة، أو توقعات اجتماعية مرتفعة تحاول المرأة تلبيتها في أدوار متعددة في الوقت نفسه.
وفي حين تشير الأدلة العلمية إلى أن النساء قد يحتجن بالفعل إلى قسط أطول قليلًا من النوم مقارنة بالرجال، فإن الخبراء يشددون على أن جودة النوم لا تقل أهمية عن مدته.
كما أن تحسين ظروف الحياة، وتوفير الدعم النفسي والصحي، وإعادة توزيع الأعباء اليومية بشكل أكثر عدالة، تُعد عوامل أساسية لتعزيز صحة النوم لدى النساء.
فالنوم الجيد ليس رفاهية، بل ضرورة للجميع، وإن كانت الطريق إليه أكثر تعقيدًا بالنسبة للنساء في واقعنا المعاصر.



