رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

من عرق الفلاحين .. البحيرة تحقق انجاز عالمي يغيّر قواعد اللعبة

ارشيفية
ارشيفية

محافظة البحيرة لا تُقاس مساحتها بما تمتد عليه من حقول خضراء فحسب، بل بما تختزنه تربتها من حكايات كفاح، وبما يخرج من عرق فلاحيها من ثمار تعبر الحدود وتكسر الحواجز.

هنا، حيث تتجاور الشمس والماء والأرض في معادلة صبر طويلة، لا تُزرع الموالح باعتبارها محصولًا زراعيًا فقط، بل بوصفها لغة صامتة تخاطب العالم، ورسالة تقول إن التنمية حين تنبت من الأرض، تصبح أكثر رسوخًا من أي خطاب.

الزراعة مستقبلًا يُصنع

ومن بين صفوف أشجار البرتقال في البحيرة، تتشكل ملامح رؤية دولة أدركت أن الزراعة ليست ماضيًا يُحكى، بل مستقبلًا يُصنع، وأن الاعتراف الدولي لا يُمنح إلا لمن يملك منظومة عمل، وإرادة إصلاح، واحترامًا لقيمة الإنسان الذي يقف كل صباح في مواجهة الحقل؛ منتظرًا حصادًا يتجاوز حدود الوطن.

فلم يكن القرار الصادر عن المفوضية الأوروبية مجرد إجراء فني عابر، بل جاء بمثابة شهادة دولية جديدة على تطور الزراعة المصرية، وخصوصًا في محافظة البحيرة، التي تتصدر المشهد الزراعي كأكبر محافظة منتجة للموالح في مصر، وحاضنة رئيسية للمحصول التصديري الأول للدولة.

فقد أعلنت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي صدور قرار رسمي من المفوضية الأوروبية يقضي بخفض نسب الفحوصات الإضافية المفروضة على شحنات الموالح المصرية المصدّرة إلى دول الاتحاد الأوروبي من 20% إلى 10%، في خطوة تعكس ثقة متزايدة في منظومة الرقابة والجودة المصرية.

ومن المقرر أن يدخل القرار حيز التنفيذ بعد 20 يومًا من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، ما يمهد لمرحلة جديدة في حركة الصادرات الزراعية المصرية نحو الأسواق الأوروبية.

البحيرة عاصمة الموالح بمصر

تحتل محافظة البحيرة المركز الأول على مستوى الجمهورية من حيث المساحة المزروعة بالموالح وحجم الإنتاج، لا سيما محصول البرتقال بأنواعه المختلفة: البرتقال أبو سرة، البرتقال الفالنسيا، البرتقال الصيفي.

وتضم المحافظة مراكز زراعية شهيرة تشكل العمود الفقري لإنتاج الموالح، من بينها: كفر الدوار، أبو المطامير، وادي النطرون، الدلنجات، بدر، وهي مناطق ارتبط اسمها تاريخيًا بزراعة البرتقال والتصدير للأسواق العالمية.

ولا تمثل البحيرة مجرد محافظة زراعية، بل تعد خزانًا استراتيجيًا للموالح المصرية، حيث تسهم بنسبة كبيرة من إجمالي إنتاج وصادرات مصر، التي تُعد بدورها من أكبر دول العالم المصدّرة للموالح، وتحتل مراكز متقدمة عالميًا في تصدير البرتقال.

القرار الأوروبي

وبحسب تقرير رسمي تلقاه رئيس الإدارة المركزية للحجر الزراعي، فإن القرار الأوروبي جاء بعد مباحثات رسمية مكثفة مع اللجنة الدائمة بالمفوضية الأوروبية، تم خلالها استعراض المنظومة الرقابية الجديدة التي يطبقها الحجر الزراعي المصري على الصادرات الزراعية.

وقد شملت هذه المنظومة: تشديد إجراءات الفحص قبل التصدير، رفع كفاءة معامل التحليل، وكذا إحكام الرقابة على متبقيات المبيدات، تطبيق نظم تتبع الشحنات من المزرعة إلى الميناء.

وأسفرت هذه الإجراءات عن طفرة حقيقية في جودة وسلامة شحنات الموالح المصرية، وهو ما دفع الجانب الأوروبي إلى تخفيض نسبة الفحوصات الإضافية، في اعتراف واضح بقدرة المنظومة المصرية على الالتزام بالمعايير الدولية الصارمة.

مكاسب اقتصادية وتنافسية مباشرة

يمثل هذا القرار دفعة قوية للتنافسية في الأسواق الأوروبية، إذ يسهم في: تقليل زمن الإفراج عن الشحنات، خفض تكاليف الفحص والتخزين، وكذا تسريع وصول المنتج المصري إلى المستهلك الأوروبي، بالاضافة إلى تعزيز ثقة المستوردين في الموالح المصرية.

كما ينعكس القرار إيجابيًا على دخل الفلاحين والمصدرين، خاصة في محافظة البحيرة، حيث يعتمد عشرات الآلاف من الأسر على زراعة الموالح كمصدر رئيسي للدخل.

الفلاح في قلب الإنجاز

وراء هذا الإنجاز الدولي، تقف سواعد الفلاحين في البحيرة، الذين راكموا خبرات طويلة في زراعة الموالح، وتكيفوا مع متطلبات التصدير العالمية، بدءًا من اختيار الأصناف، مرورًا بطرق الري الحديثة، وصولًا إلى الالتزام ببرامج المكافحة الآمنة.

وتعتمد المحافظة على بنية زراعية متطورة نسبيًا، تشمل شبكات ري حديثة، وتوسعًا في مشروعات كبرى مثل الدلتا الجديدة ومحيطها، ما يعزز استدامة الإنتاج وجودته.

مصر والموالح قصة نجاح مستمرة

يؤكد هذا القرار أن مصر تسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانتها كقوة زراعية تصديرية كبرى، وأن محافظة البحيرة تظل في قلب هذه القصة، ليس فقط باعتبارها أكبر منتج للموالح، بل كنموذج للتكامل بين الفلاح والدولة ومنظومة الرقابة.

وفي الوقت الذي تأتي فيه محافظات مثل الإسماعيلية والشرقية والقليوبية والمنوفية في مراكز متقدمة بعد البحيرة، تظل الأخيرة هي الرقم الأصعب في معادلة الموالح المصرية.

رسالة ثقة دولية

وفي النهاية فإن خفض نسب الفحوصات الأوروبية على الموالح المصرية ليس مجرد قرار فني، بل رسالة ثقة دولية، وحصاد حقيقي لجهود ممتدة من الأرض إلى الميناء. وفي قلب هذه الرسالة، تقف محافظة البحيرة، حيث يمتزج عرق الفلاحين بسياسات الدولة، ليصنع إنجازًا يفتح أبوابًا أوسع للمنتج المصري في العالم، ويؤكد أن الزراعة المصرية قادرة على المنافسة، متى توفرت الإرادة والرقابة والرؤية.

تم نسخ الرابط