رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

حين تتحدث القرى.. مشروع يغير ملامج المنيا ويعيد صياغة المستقبل

رئيس الوزراء
رئيس الوزراء

محافظة المنيا لم تكن يومًا مجرد رقعة جغرافية في قلب صعيد مصر، بل كانت ولا تزال؛ مرآة صادقة لأسئلة التنمية الكبرى: كيف نحمي الإنسان قبل أن نبني الحجر؟ وكيف نمنح القرى الأكثر احتياجًا حقها في الحياة الكريمة بعد عقود من الانتظار؟.

من هذا السؤال الفلسفي العميق تبدأ حكاية المرحلة الأولى من البرنامج القومي لتنمية الريف المصري «حياة كريمة»، التي جاءت لتعيد تعريف مفهوم التنمية بوصفها فعل حماية للإنسان، لا مجرد أرقام في جداول المشروعات.

ففي المنيا، حيث تتقاطع معاناة الريف مع طموحات الدولة، لم تعد التنمية شعارًا، بل تحوّلت إلى ممارسة يومية تمس تفاصيل الحياة: ماء نظيف، طريق آمن، مدرسة صالحة للتعلم، ووحدة صحية تحفظ كرامة المريض.

إعادة الاعتبار للإنسان الريفي

هنا، لم يكن الهدف بناء مرافق فحسب، وإنما إعادة الاعتبار للإنسان الريفي باعتباره جوهر أي نهضة حقيقية، وحجر الأساس في معادلة الاستقرار والتنمية المستدامة.

وتتزامن هذه الرؤية مع البيان الرسمي الصادر عن مجلس الوزراء، الذي أكد حرص الدولة على استكمال وتسريع وتيرة تنفيذ وتسليم مشروعات المرحلة الأولى من مبادرة «حياة كريمة»، وضمان دخولها الخدمة الفعلية، بما يحقق أثرًا مباشرًا وملموسًا في حياة المواطنين، ويترجم الإرادة السياسية إلى واقع محسوس داخل القرى الأكثر احتياجًا.

فلم تأتِ المبادرة كاستجابة ظرفية أو حلول جزئية، بل كتحول استراتيجي شامل لمعالجة تراكمات عقود طويلة من التهميش التنموي، الذي عانت منه القرى الأكثر احتياجًا، خصوصًا في صعيد مصر، حيث تداخل الفقر مع ضعف الخدمات، وغياب البنية الأساسية مع هشاشة الفرص الاقتصادية.

الإنسان في قلب التنمية

ففي إطار رؤية الدولة المصرية للتنمية الشاملة والمستدامة، وصفت المبادرة بانها أكبر مشروع تنموي متكامل يستهدف الإنسان قبل العمران، والعدالة الاجتماعية قبل الأرقام، والحماية الاجتماعية قبل أي اعتبارات أخرى.

وكانت انطلقت المبادرة الرئاسية «البرنامج القومي لتنمية الريف المصري – حياة كريمة» منذ عام 2019، من فلسفة واضحة قوامها حماية الإنسان المصري بوصفه محور عملية التنمية وغايتها النهائية.

وقد تجسدت هذه الفلسفة في نهج متكامل يربط بين تطوير البنية الأساسية، وتعزيز الخدمات الاجتماعية، وخلق فرص اقتصادية مستدامة، بما يضمن كرامة المواطن الريفي ويصون حقه في حياة آمنة ومستقرة.

فبعد سنوات من المعاناة مع نقص خدمات مياه الشرب، والصرف الصحي، والتعليم، والرعاية الصحية، والغاز الطبيعي، والاتصالات، والطرق، جاءت المبادرة لتعيد رسم خريطة الريف المصري، وتغلق فجوة تاريخية بين الريف والحضر، لم تكن تنعكس فقط في مستوى الخدمات، بل في جودة الحياة والفرص المستقبلية.

أرقام تعكس حجم التحول

بحلول نهاية عام 2024، كشفت البيانات الرسمية أن الاستثمارات المنفذة في المرحلة الأولى من المبادرة بلغت نحو 298.3 مليار جنيه مصري، بمعدل تنفيذ وصل إلى 86.5% من إجمالي الخطة المعتمدة، وهو ما يعكس حجم الجهد التنموي غير المسبوق الذي بذلته الدولة خلال فترة زمنية وجيزة.

وشملت المرحلة الأولى تنفيذ ما يقرب من 23 ألف مشروع تنموي في 1,477 قرية موزعة على 20 محافظة، استفاد منها نحو 18 مليون مواطن على مستوى الجمهورية.

وقد خُصص ما يقرب من 68% من إجمالي الاستثمارات لصعيد مصر، باعتباره الإقليم الأشد احتياجًا، والأكثر تأثرًا بتراكمات الفقر وضعف الخدمات.

المنيا نموذج للتحول

وبرزت محافظة المنيا بوصفها إحدى أهم بؤر التدخل التنموي في المرحلة الأولى من مبادرة «حياة كريمة»، حيث تصدرت المحافظات المستفيدة من حيث حجم المشروعات وتأثيرها المباشر على حياة المواطنين.

ووفق البيانات الرسمية، تم تنفيذ نحو 1,660 مشروعًا تنمويًا في المنيا، لتأتي في مرتبة متقدمة على مستوى الجمهورية، وتغطي هذه المشروعات 192 قرية موزعة على خمسة مراكز رئيسية هي: أبو قرقاص، العدوة، دير مواس، مغاغة، وملوى.

وقد استهدفت هذه المشروعات تحسين حياة ما يقرب من 3 ملايين مواطن، بما يعادل نحو 600 ألف أسرة، باستثمارات إجمالية تُقدَّر بنحو 31 مليار جنيه مصري، ما جعل المنيا نموذجًا واضحًا لكيفية توظيف التنمية كأداة للحماية الاجتماعية والإنسانية.

حماية من الفقر الصحي

بدات القصة حينما شهدت قرى المنيا توسعًا كبيرًا في شبكات مياه الشرب والصرف الصحي، ما انعكس مباشرة على تحسين الصحة العامة، والحد من الأمراض المرتبطة بتلوث المياه أو غياب الصرف الآمن، وهو ما يمثل أحد أهم أبعاد حماية الإنسان.

الطاقة والغاز الطبيعي

كما أسهم توصيل الغاز الطبيعي للمنازل في تقليل الأعباء الاقتصادية على الأسر، والحد من مخاطر استخدام أسطوانات البوتاجاز، بما وفر بيئة أكثر أمانًا واستقرارًا داخل المنازل الريفية.

التعليم والصحة

كما شملت المبادرة إنشاء فصول دراسية جديدة، ورفع كفاءة المدارس، وتطوير الوحدات الصحية، وتزويدها بالتجهيزات الحديثة وخدمات الإسعاف، بما عزز حق المواطنين في تعليم جيد ورعاية صحية لائقة، كأحد أركان العدالة الاجتماعية.

الاتصالات والتحول الرقمي

وكذا ساهمت "حياة كريمة" في توسعة شبكات الاتصالات والإنترنت في ربط القرى بالعالم الخارجي، وفتحت آفاقًا جديدة أمام التعليم الرقمي، والخدمات الحكومية، وفرص العمل الحديثة، ما أخرج الريف من عزلته التقليدية.

التمكين الاقتصادي

كما ركزت المبادرة على دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الشمول المالي من خلال توفير الخدمات المصرفية وماكينات الصرف الآلي، بما منح الأسر أدوات حقيقية للاستقلال الاقتصادي وتحسين مستوى الدخل.

استكمال وحوكمة وتشغيل

وفي هذا السياق، كان عقد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، اجتماعًا موسعًا أمس الخميس 25-12-2025، لمتابعة موقف تسليم وتشغيل المشروعات المنفذة ضمن المرحلة الأولى من المبادرة، بحضور عدد من الوزراء والمسؤولين المعنيين، وممثلي الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، والاستشاري العام للمشروع.

وأكد رئيس الوزراء أن الحكومة تعمل حاليًا على استكمال التمويل اللازم لإنهاء المشروعات المتبقية، مشددًا على أهمية التشغيل الفعلي للمشروعات، وليس الاكتفاء بالانتهاء الإنشائي، لضمان تحقيق الأثر المباشر على حياة المواطنين.

وأشار إلى حرصه على إجراء زيارات ميدانية دورية للقرى المستهدفة، لمتابعة جودة التنفيذ، وضمان دخول المشروعات الخدمة، وتفعيلها بما يحقق الاستفادة القصوى للأهالي.

75% من المشروعات المُنجزة دخلت مرحلة التشغيل

من جانبه، أوضح المستشار محمد الحمصاني، المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، أن الاجتماع استعرض موقف المشروعات على مستوى المحافظات، مشيرًا إلى أن 75% من المشروعات التي تم الانتهاء منها جرى استلامها بالفعل من الشركات المنفذة، ويجري تباعًا استلام وتشغيل باقي المشروعات في أسرع وقت.

الريف كأولوية وطنية

هكذا، تتجاوز «حياة كريمة» في المنيا حدود المشروع التنموي، لتصبح فلسفة دولة ترى في حماية الإنسان الريفي مدخلًا رئيسيًا لبناء الوطن، وفي تنمية القرى فعلًا استراتيجيًا يصون الحاضر ويؤسس لمستقبل أكثر عدالة واستقرارًا.

وفي النهاية لم تعد «حياة كريمة» مجرد مبادرة تنموية، بل تحولت إلى مشروع وطني لحماية الإنسان المصري، عبر إعادة الاعتبار للريف، وتحويل القرى الأكثر احتياجًا من مناطق هشاشة إلى مساحات أمل واستقرار.

ففي محافظة المنيا، تبدو نتائج المرحلة الأولى شاهدًا حيًا على قدرة الدولة على إحداث تغيير حقيقي عندما تتكامل الرؤية مع الإرادة السياسية، لتنتقل القرى من انتظار الخدمات إلى امتلاك مقومات الحياة الكريمة، في طريق مفتوح نحو مرحلة ثانية تستكمل ما بدأته الدولة من إعادة بناء الإنسان قبل المكان.

تم نسخ الرابط