ضوء جديد يتسلل من العصافرة.. سر الدقهلية الذي لفت أنظار أوروبا
محافظة الدقهلية ليست مجرد رقعة جغرافية على خريطة الدلتا، بل كيان حيّ تتقاطع فيه الذاكرة الزراعية مع طموح الصناعة، ويتجاور فيه التاريخ العريق مع أسئلة المستقبل؛ فمن رحم الأرض الخصبة التي أطعمَت مصر قرونًا طويلة، تنبع اليوم رؤية جديدة تعيد تعريف التنمية بوصفها فعلًا إنسانيًا قبل أن تكون أرقامًا اقتصادية، ومسارًا يربط العمل بالإنتاج، والاستثمار بالكرامة، والنمو بتحسين حياة الناس.

وفي هذا السياق، لا تأتي الزيارة الأوروبية إلى الدقهلية بوصفها حدثًا عابرًا، بل باعتبارها لحظة كاشفة؛ لحظة يلتقي فيها الخارج الباحث عن الفرص بالداخل الساعي إلى شراكات عادلة، وتصبح المنطقة الصناعية بالعصافرة رمزًا لهذا اللقاء بين الإمكان والطموح، وبين ما هو قائم وما يمكن أن يكون. هنا، لا يُقاس الاستثمار فقط بحجم رأس المال، بل بقدرته على خلق معنى للتنمية، وفرصة للعمل، وأفق أوسع لحياة أكثر استقرارًا لمواطني الدقهلية.
قلب شمال الدلتا
بدأت القصة في قلب شمال دلتا مصر، وتحديدًا في مركز المطرية بمحافظة الدقهلية، تبرز المنطقة الصناعية بالعصافرة كأحد النماذج التنموية الواعدة التي تعكس توجه الدولة نحو تعظيم الاستفادة من المناطق الصناعية، ودعم الاستثمار المحلي والأجنبي، وخلق فرص عمل حقيقية تسهم في تحسين مستوى معيشة المواطنين.
فالمنطقة، التي تُعد ثاني أهم منطقة صناعية في محافظة الدقهلية بعد منطقة جمصة الصناعية، لم تعد مجرد تجمع للمصانع، بل تحولت إلى قاطرة تنموية تؤثر بشكل مباشر في الاقتصاد المحلي، وتفتح آفاقًا جديدة للاستثمار والإنتاج.
مقومات استراتيجية
تقع المنطقة الصناعية بالعصافرة على مساحة تقارب 30 فدانًا في مرحلتها الأولى، مع وجود خطط مستقبلية للتوسع، وتضم حاليًا ما بين 65 إلى 67 مصنعًا منتجًا، فيما تشير البيانات الرسمية إلى أن عدد المصانع المرخصة قد يصل إلى نحو 96 مصنعًا، تعمل في أنشطة صناعية متنوعة.
وتتميز المنطقة بتوافر بنية تحتية متكاملة تشمل: شبكات طرق داخلية ممهدة، مرافق كهرباء ومياه وصرف صحي، محطة لمعالجة الصرف الصناعي، بما يضمن الالتزام بالاشتراطات البيئية.
هذه المقومات جعلت المنطقة جاهزة للاستثمار الفعلي، وقادرة على استيعاب مشروعات صناعية صغيرة ومتوسطة، تمثل العمود الفقري للاقتصاد المحلي.
فرص عمل مستدامة
تضم المنطقة الصناعية بالعصافرة باقة من الأنشطة الصناعية التي تلبي احتياجات السوق المحلي، وتوفر فرصًا للتوسع والتصدير، من أبرزها، صناعة الملابس والمنسوجات.
وتُعد صناعة الملابس والمنسوجات من القطاعات الرائدة داخل المنطقة، حيث تنتج المصانع كميات ضخمة من الملابس الجاهزة والمنسوجات، وتوفر مئات فرص العمل المباشرة، خاصة للمرأة والشباب، فضلًا عن دعم سلاسل الإمداد المرتبطة بها.

صناعة الأثاث
تمثل صناعة الأثاث أحد الأنشطة الحيوية، مستفيدة من الطلب المتزايد في السوق المحلي، وتُسهم في تشغيل العمالة الفنية والحرفية، وتوفير منتجات ذات جودة وأسعار تنافسية.
الصناعات الهندسية والكهربائية
تشمل إنتاج اللوحات الكهربائية والمكونات الهندسية البسيطة، التي تُستخدم في مشروعات الكهرباء والميكانيكا، وتُعد من الصناعات الواعدة ذات القيمة المضافة العالية.
مشروعات صناعية متنوعة
تمتد الأنشطة لتشمل ورش ومصانع للتجميع، وقطع الغيار، والتعبئة والتغليف، بما يعزز التنوع الصناعي ويقلل من الاعتماد على الاستيراد.
زيارة أوروبية تعكس الثقة
في مؤشر واضح على تنامي الاهتمام الدولي بفرص الاستثمار في الدقهلية، وكان استقبل اللواء طارق مرزوق محافظ الدقهلية وفدًا رفيع المستوى من الاتحاد الأوروبي برئاسة نيكولاس زايميس الوزير المفوض ورئيس قسم التجارة بالاتحاد الأوروبي، وذلك في إطار اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وجمهورية مصر العربية.
وأكد محافظ الدقهلية، خلال اللقاء، أن المحافظة شهدت نقلة نوعية في مجالات التنمية والاستثمار خلال السنوات الأخيرة، بدعم من القيادة السياسية وبرامج الإصلاح الاقتصادي، مشددًا على تطلع المحافظة إلى توسيع مجالات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي بما يخدم خطط التنمية المستدامة ويعود بالنفع المباشر على المواطنين.
من جانبه، أشاد رئيس قسم التجارة بالاتحاد الأوروبي بمكانة الدقهلية كمركز استثماري ولوجستي واعد، مؤكدًا حرص الاتحاد على استكشاف المزيد من الفرص الاستثمارية، خاصة في المناطق الصناعية.
الدقهلية وفرص لا تُحصى
أوضح محافظ الدقهلية أن المحافظة تضم ثلاث مناطق صناعية واستثمارية رئيسية بما يمثل فرص استثمارية كبيرة وواعدة، منها، المنطقة الصناعية بجمصة على مساحة 834 فدانًا، بموقع استراتيجي على الطريق الدولي الساحلي وقربها من موانئ دمياط وبورسعيد والإسكندرية، وكذا المنطقة الصناعية بالعصافرة على مساحة 30 فدانًا، وتتميز بقربها من بحيرة المنزلة وميناء بورسعيد، بالاضافة إلى المنطقة الاستثمارية بميت غمر على مساحة 17 فدانًا، وتضم أكثر من 100 وحدة صناعية متنوعة.
ويمثل هذا التنوع الجغرافي والصناعي فرصة ذهبية لجذب الاستثمارات، خاصة في ظل ما تمتلكه الدقهلية من مقومات زراعية وبشرية وتعليمية.

مشروعات رائدة داخل العصافرة
من بين النماذج البارزة داخل المنطقة الصناعية بالعصافرة، مصانع ملابس جاهزة والتي توفر فرص عمل مستقرة وتدعم الصناعات المغذية، وكذا ورش ومصانع لتصنيع مكونات كهربائية تخدم مشروعات البنية التحتية، بالاضافة إلى مصانع أثاث تعتمد على الأيدي العاملة المحلية وتحقق قيمة مضافة للاقتصاد.
هذه المشروعات لا تقتصر أهميتها على الإنتاج فقط، بل تلعب دورًا محوريًا في تحسين دخل الأسر، وتقليل معدلات البطالة، ودعم الاستقرار الاجتماعي.
تحسين حياة المواطنين
لا تنعكس التنمية الصناعية في العصافرة على الأرقام والمؤشرات الاقتصادية فحسب، بل تمتد آثارها إلى تحسين مستوى الخدمات، وزيادة الدخل، وخلق فرص عمل مستدامة للشباب، وهو ما أكده مسؤولو المحافظة خلال اللقاء مع الوفد الأوروبي.
كما تسهم التسهيلات التي تقدمها الدولة، من خلال الهيئة العامة للتنمية الصناعية وهيئة الاستثمار، في تيسير الإجراءات أمام المستثمرين، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وربطها ببرامج التمويل، بما يعزز مناخ الاستثمار.

نحو مستقبل صناعي واعد
في ضوء الاهتمام الحكومي والدولي، والبنية التحتية المتطورة، وتنوع الأنشطة الصناعية، تبدو المنطقة الصناعية بالعصافرة مرشحة لأن تصبح نموذجًا ناجحًا للتنمية المحلية المستدامة، وجسرًا يربط بين الاستثمار والإنتاج وتوفير فرص العمل، بما ينعكس إيجابًا على حياة المواطنين في محافظة الدقهلية، ويعزز من مكانتها على خريطة الاستثمار في مصر.

