اع
البحر يحمل سرًا.. كيف يغير مشروع الفيروز مستقبل بورسعيد الاقتصادي؟
محافظة بورسعيد، حيث يلتقي الإنسان مع البحر في لوحة طبيعية تحمل في طياتها إمكانات لا حصر لها، تعكس قدرة الإنسان على تحويل الموارد إلى أدوات للمعرفة والتنمية.
هنا، على ساحل المتوسط، لا تقتصر النظرة على الأمواج المتلاطمة، بل تمتد إلى أعماق الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية، حيث يصبح الاستزراع السمكي ليس مجرد صناعة، بل فلسفة حياة، تربط بين الإنسان والطبيعة، بين الإنتاج والتنمية، بين الأمن الغذائي ومستقبل الأجيال القادمة.
طموح الدولة وأحلام المواطنين
في مشروع الفيروز، يتحقق هذا التوازن بين طموح الدولة وأحلام المواطنين، لتصبح كل قطرة مياه وكل سمكة مستزرعة شهادة حية على قدرة الإنسان على تحويل البحر إلى كنز مستدام يخدم المجتمع والاقتصاد.
بدأت القصة على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، في قلب محافظة بورسعيد، حيث استطاع مشروع الفيروز للاستزراع السمكي أن يكونن واحد من أكبر المشروعات الوطنية وأكثرها استراتيجية في مجال الثروة السمكية بمصر، ليصبح نافذة جديدة للأمن الغذائي وفرصة حقيقية لتنمية المنطقة.
المشروع، الذي يمتد على مساحة ضخمة تقارب 26 ألف فدان، لا يمثل مجرد استزراع للأسماك والجمبري، بل منظومة متكاملة تدمج بين الإنتاج البحري، الصناعات المرافقة، والتصدير، بما يعكس رؤية الدولة في الاستفادة من مواردها البحرية وتحويلها إلى عوائد اقتصادية ملموسة.
هيكل المشروع ومكوناته
مشروع الفيروز ليس مجرد أحواض سمكية، بل منظومة متكاملة تشمل: آلاف الأحواض لتربية الأسماك والجمبري، مزودة بأحدث التقنيات لمراقبة المياه، التغذية، ونمو الأسماك بما يضمن جودة الإنتاج وارتفاع معدلات البقاء.

فيما يتمضن المشروع بحيرات صناعية للصيد، مجهزة بوسائط نقل وتجهيز متطورة لتسهيل عمليات المعالجة والنقل، ما يجعل الإنتاج متوافقًا مع المعايير المحلية والدولية؛ وكذا منطقة لوجستية كاملة، تشمل مرافق فرز الأسماك، التعبئة، التخزين، ووحدات إنتاج الثلج لضمان توافر المنتج بأعلى جودة للأسواق المحلية والخارجية.
بالإضافة إلى خطوط إنتاج الأعلاف الخاصة بالمشروع لتغذية الأسماك، وهو ما يحقق اكتفاء ذاتيًا ويضمن نمو الأسماك وفق معايير غذائية سليمة.
فيما تُظهر هذه المنظومة كيف يمكن أن تتحول الموارد البحرية إلى محرك تنموي واقتصادي يحقق اكتفاءً غذائيًا ويزيد الصادرات السمكية لمصر.
أقفاص في أعماق المتوسط
ويمثل الاستزراع في الأقفاص البحرية المرحلة الأكثر تطورًا في مشروع الفيروز، حيث تستفيد الأقفاص من مياه البحر المفتوحة شرق بورسعيد، وتشمل: أقفاص بحرية كبيرة لتربية أنواع متعددة من الأسماك عالية القيمة مثل القاروص والبلطي والجمبري، لتلبية احتياجات السوق المحلي والتصدير؛ كما تكامل الإنتاج مع الأحواض الأرضية لتربية الزريعة قبل نقلها للأقفاص البحرية، ما يزيد من معدلات البقاء والنمو.
فيما يمضن المشروع تكنولوجيا حديثة لمراقبة جودة المياه، التغذية، صحة الأسماك، وضمان استدامة الإنتاج وفق المعايير البيئية والصحية الدولية.
وتسهم هذه المرحلة في رفع الإنتاج السنوي للأسماك وفتح آفاق تصديرية جديدة، ما يعزز مكانة مصر في أسواق أوروبا والعالم العربي وأفريقيا.
البعد التنموي والاقتصادي لأهالي بورسعيد
يمثل مشروع الفيروز أحد أهم المشروعات القومية التي تفتح آفاقًا اقتصادية لأهالي بورسعيد؛ حيث خلق المشروع أكثر من 10 آلاف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاعات التربية السمكية، الأعلاف، المعالجة، النقل، والخدمات اللوجستية.
كما رفع مشروع الفيروز مستوى المهارات الفنية والتقنية للشباب من خلال تدريب الكوادر على أحدث أساليب الاستزراع وإدارة الإنتاج البحري، وكذا زيادة نصيب الفرد من الأسماك وتقليل الاعتماد على الاستيراد، بما يحقق الاكتفاء الذاتي ويعزز الأمن الغذائي.
بالإضافة إلى دعم الاقتصاد المحلي والوطني عبر زيادة الصادرات السمكية وخلق قيمة مضافة ضخمة للمنتجات البحرية.
كما ان المشروع يربط بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إذ يساهم في تحسين مستوى المعيشة وتوفير فرص العمل المستدامة في محافظة بورسعيد، ويعتبر نموذجًا لتحقيق التنمية المتكاملة على ساحل البحر المتوسط.
الفيروز كنز مصر البحري
وكان افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي المشروع عام 2021، ليكون قاطرة للتنمية البحرية في منطقة قناة السويس وشرق التفريعة ببورسعيد.
ويعتبر المشروع الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، ويمثل إنجازًا جديدًا لسلسلة الإنجازات التنموية التي تشهدها مصر في عهد الرئيس السيسي.
ويضم المشروع بحيرة الفيروز للصيد بمساحة 9,762 فدانًا، والتي كانت جزءًا من ملاحة بورفؤاد سابقًا، وتم تصميمها لتحديد أقصى جهد صيد بالتعاون مع المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، وكذا 5,908 أحواض استزراع سمكي، تبلغ مساحة الحوض الواحد 1.75 فدان، بإجمالي 15,886 فدانًا مخصصة للاستزراع؛ بالاضافة إلى أحواض السفن بحجم 120 مترًا × 80 مترًا، تستوعب 6 سفن صيد لكل حوض، تصل أطوالها إلى 30 مترًا.
ومنطقة صناعية ولوجستية متكاملة لتعبئة الأسماك ومعالجتها، وإنتاج الأعلاف، ووحدات الثلج والنقل، بما يضمن جاهزية المنتج للسوق المحلي والتصدير.

المشروع واستراتيجية مصرية شاملة
مشروع الفيروز ليس مجرد استزراع سمكي، بل رؤية وطنية شاملة تهدف إلى تعزيز حضور مصر في مجال الثروة السمكية عالميًا، وتطوير الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وكذا تحويل الثروات البحرية إلى محرك للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى خلق مجتمعات صناعية جديدة في مناطق قناة السويس وشبه جزيرة سيناء، بما يساهم في تنمية المناطق الحدودية.
وفي النهاية بهذا المشروع، تثبت مصر مرة أخرى قدرتها على استثمار كنوزها البحرية وتحويلها إلى فرص تنموية حقيقية لأبناء الشعب، مع ضمان استدامة البيئة البحرية وتحقيق الأمن الغذائي للأجيال القادمة.


