"سجون تصنع القادة".. كيف كوّنت السجون الإسرائيلية نخبة حماس؟
أعادت صفقات تبادل الأسرى الأخيرة بين إسرائيل وحركة حماس، والتي أُطلق بموجبها سراح مئات الفلسطينيين، تسليط الضوء على تحول السجون الإسرائيلية إلى بيئة حاضنة للكوادر القيادية داخل الحركة. تقارير إسرائيلية وغربية عديدة وصفت هذه المعتقلات بـ"الأكاديميات غير المقصودة"، التي خرجت أبرز قادة حماس، بمن فيهم يحيى السنوار الذي قاد الهجوم الدامي في 7 أكتوبر 2023.

التايمز: الزنازين أصبحت مدارس تخطيط
صحيفة "التايمز" البريطانية نشرت تحقيقًا موسعًا نقلت فيه شهادات مسؤولين أمنيين إسرائيليين سابقين، أكدوا أن بيئة السجون الإسرائيلية ساهمت في "صقل وتخريج" جيل من القادة الفلسطينيين. وقال الدكتور يوفال بيتون، الرئيس السابق لجهاز المخابرات في مصلحة السجون: "لقد أخطأنا حين منحناهم وقتًا ووسائل سمحت لهم بتحويل الزنازين إلى جامعات فكرية وتنظيمية".
وتخشى إسرائيل من تكرار سيناريو صفقة جلعاد شاليط عام 2011، والتي أفرجت فيها عن 1027 أسيرًا فلسطينيًا، وكان من بينهم يحيى السنوار، الذي بات لاحقًا الزعيم العسكري الأبرز لحماس في غزة ومهندس هجمات 2023 قبل مقتله في غارة إسرائيلية مطلع 2024.
السنوار.. من الزنزانة إلى "أكتوبر"
خلال سنوات اعتقاله الطويلة، استغل السنوار وقته لتعلم اللغة العبرية بطلاقة، ودرس التاريخ اليهودي، وترجم مؤلفات أمنية إسرائيلية إلى العربية. كما كتب رواية بعنوان "الشوكة والقرنفل"، تتحدث عن مقاوم فلسطيني يخطط للجهاد من خلال شبكة أنفاق تحت غزة، في محاكاة واضحة لما أصبح لاحقًا يُعرف بـ"مترو غزة"، الذي أشرف السنوار شخصيًا على تطويره.
ميكا كوبي، رئيس التحقيق السابق في جهاز "الشاباك"، قال في تصريح نقلته "التايمز": "لقد أعد السنوار مجزرة 7 أكتوبر من داخل السجن". وأضاف: "أمضيت معه 150 ساعة في التحقيق. لم يكن مجرمًا عاديًا.. بل مفكر ومنظّر استراتيجي".

محمود عيسى وحسن سلامة.. أسماء تخشاها تل أبيب
لا يتوقف الحديث عند السنوار. فمن أبرز الأسماء التي أثارت جدلًا بعد الإفراج عنها أو الحديث عنها خلال صفقات تبادل الأسرى، القياديان محمود عيسى وحسن سلامة.
عيسى، الذي أُفرج عنه مؤخرًا ونُفي إلى مصر، يُعرف بأنه "من أخطر العقول التنظيمية في حماس"، وقد أمضى 33 عامًا في السجون الإسرائيلية. في عام 1992، كان عيسى وراء عملية اختطاف ضابط إسرائيلي للضغط للإفراج عن مؤسس حماس أحمد ياسين، كما حاول حفر نفق للهروب عام 1996.
أما حسن سلامة، الذي لا يزال في السجن، فيُعرف بلقب "مهندس تفجيرات الحافلات" في التسعينيات، وهو من أبرز القادة الذين رفضت إسرائيل إطلاق سراحهم في أكثر من صفقة، بسبب خطورته الاستراتيجية.
"جامعة هداريم".. من زنازين إلى كليات فكرية
يصف الفلسطينيون سجن "هداريم" الإسرائيلي بأنه "جامعة حقيقية"، إذ أُتيح للأسرى في سنوات سابقة الحصول على دورات أكاديمية، ومطالعة كتب، وحتى متابعة التلفزيون. استغل العديد من قادة حماس هذا الانفتاح لبناء قدراتهم الفكرية والتنظيمية.

ففي السجن، حفظ محمود عيسى القرآن، ودرس الخط العربي، وألف كتبًا، كما أن أحمد ياسين نفسه، مؤسس حماس، وُصف بأنه "المرشد الأعلى" للجيل التالي من القادة أثناء فترة أسره قبل إطلاق سراحه واغتياله عام 2004.
إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي السابق لحماس، بدوره قضى سنوات في السجن قبل أن يقود التنظيم ويُقتل لاحقًا في طهران في 2024، بينما خرج صالح العاروري من السجن كشخصية غير بارزة، ليصبح بعد سنوات رئيس حماس في الضفة الغربية، ومشاركًا في تخطيط الهجمات، قبل اغتياله هو الآخر في 2024.
إسرائيل تغير سياستها: لا مزيد من "الرفاهية"
في أعقاب هجمات 7 أكتوبر، تقول إسرائيل إنها بدأت في مراجعة سياساتها تجاه الأسرى الفلسطينيين داخل سجونها. وأكد كوبي: "أصبحنا أكثر صرامة.. أخطأنا سابقًا عندما وفرنا بيئة مثالية لتكوين جيل جديد من قادة حماس".
وبالفعل، جرى تقليص الامتيازات بشكل كبير داخل السجون، كمنع الدراسة الجامعية، وإلغاء زيارات عائلية، وتقييد حركة الأسرى داخل الأقسام.
صفقة تبادل جديدة.. ونقاش داخلي محتدم
الجدل عاد إلى الواجهة مجددًا بعد إطلاق سراح نحو 1700 فلسطيني اختطفتهم إسرائيل خلال الحرب الأخيرة، إضافة إلى 250 محكومًا بالمؤبد، من بينهم 65 من عناصر حماس، و157 من حركة فتح. ورغم هذه الأعداد الكبيرة، يقول المسؤولون الإسرائيليون إن الصفقة لم تشمل "القيادات الكبيرة".
وبحسب "التايمز"، رفضت إسرائيل إدراج أسماء مثل مروان البرغوثي، الذي يُلقب بـ"مانديلا فلسطين"، وعباس السيد، مهندس تفجير فندق بارك عام 2002.
ويرى الدكتور بيتون، أن هذه الصفقة "أفضل من سابقاتها"، لأن من وصفهم بـ"العقول المدبرة" لا يزالون خلف القضبان. لكنه ينتقد في الوقت ذاته سياسة النفي بقوله: "عندما نطردهم إلى الخارج، نطلق سراحهم بلا رقابة. الأفضل أن يبقوا أمام أعيننا".
السجون كمختبرات للقيادة
يعكس هذا الجدل المتصاعد حجم المعضلة التي تواجهها إسرائيل: كيف توازن بين مطالب الإفراج عن أسرى إسرائيليين، وبين تجنب تكرار صناعة قادة جدد لحركة حماس من داخل زنازينها؟ في الوقت الذي تتحول فيه السجون إلى منصات إعداد، تتسابق الأطراف على حسم صفقات قد تخلق غدًا سنوارًا جديدًا، أو مهندسًا آخر لأحداث أكثر دموية.

