الخطاب الأمريكي الأطول بالأمم المتحدة.. ترامب ينتقد، يتفاخر، ويتحدى
قدّم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، خطابًا استمر لنحو 56 دقيقة، متجاوزًا الحد الزمني المخصص للزعماء، ومحدثًا حالة من الجدل داخل قاعة المنظمة وخارجها. لم يكن هذا الخطاب مجرد كلمات سياسية معتادة، بل كان استعراضًا حافلًا بالتفاخر بالإنجازات، والهجمات اللاذعة على الأمم المتحدة، والتصريحات المثيرة للجدل، إضافة إلى استعراض حاد لمسائل داخلية وخارجية، وتصريحات تتضمن مواقف صريحة تجاه قضايا كبرى مثل الحرب في أوكرانيا، الملف النووي الإيراني، الهجرة غير الشرعية، والطاقة.

كسر قيود الوقت وفتح باب الاستعراض
عادةً ما يلتزم القادة بمنح أنفسهم 15 دقيقة فقط للخطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكن ترامب تخطى هذه القاعدة بشكل غير مسبوق في العصر الحديث للرؤساء الأمريكيين، فاستمر خطابه ما يقارب الساعة، محطمًا رقمه القياسي السابق وأرقام أسلافه.
رغم طول الخطاب، لم يصل ترامب إلى مستوى الأرقام القياسية المسجلة على مدى تاريخ الأمم المتحدة، حيث ظل خطاب الزعيم الكوبي الراحل فيدل كاسترو، الذي استمر 269 دقيقة (أكثر من 4 ساعات)، وكذلك خطاب الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في عام 1974، الأطول في تاريخ المنظمة. لكن ترامب أضاف رقما جديدًا إلى سجل الرؤساء الأمريكيين، متجاوزًا حدود الصبر لدى العديد من الحاضرين.
مزاح فوضوي وبداية غير تقليدية
بدأ الخطاب بمزحة عن العطل التقني الذي تعرض له جهاز التلقين الإلكتروني، والسلّم الكهربائي الذي توقف عن العمل عند صعود ترامب مع زوجته ميلانيا إلى المنصة، مما أضفى جواً من الفوضى غير المسبوقة على افتتاح كلمته.
الموقف كشف حساسية ترامب الكبيرة تجاه أي خطأ تقني خلال ظهوره العام، إذ غرد لاحقًا على منصته “تروث سوشيال” معبرًا عن استيائه من تقصير الأمم المتحدة في هذه التفاصيل الصغيرة، متهمًا موظفي المنظمة بمحاولة إحراجه.
تفخيم إنجازات داخلية ودفاع عن السياسة الأمريكية
لم يخلُ الخطاب من تكرار المتفاخر بإنجازات إدارته، حيث تحدث عن بناء “أفضل اقتصاد في تاريخ العالم” خلال ولايته الأولى، وتقديم استثمارات بقيمة 17 ترليون دولار، بالإضافة إلى الدفاع الشرس عن حدوده الأميركية الصارمة، والإجراءات القاسية ضد الهجرة غير الشرعية التي وصفها بأنها “تدمر الدول”.
أكد ترامب أن الولايات المتحدة لم تسمح بدخول مهاجرين غير شرعيين خلال الشهور الماضية، مهددًا بمنع كل من يحاول التسلل بشكل غير قانوني، مشددًا على أن سياسة الحدود المفتوحة انتهت في عهده، وأنه يواصل محاربة مهربي البشر وعصابات المخدرات باستخدام القوات العسكرية.
مواقف حادة من قضايا دولية بارزة
في ملف الحرب الأوكرانية، قال ترامب إنه كان يظن أن إنهاء الحرب سيكون سهلاً، متهمًا روسيا بالقتال بلا هدف منذ أكثر من 3 سنوات ونصف، ووصف الرئيس بوتين بأنه “نمر من ورق”، لكنه حذر من أن الهند والصين تمولان الحرب عبر شراء النفط الروسي.
كما أكد أنه مستعد لفرض رسوم جمركية صارمة على دول تمول روسيا، محذرًا من ازدواجية المعايير في الأمم المتحدة، ومهاجمًا عدم وقوف المنظمة إلى جانب الولايات المتحدة في جهودها لوقف الحروب.
في الملف النووي الإيراني، أعلن ترامب أنه سيجتمع مع المرشد الأعلى الإيراني، لكنه أشار إلى أن إيران رفضت التعاون، معتبراً أن امتلاك طهران أسلحة نووية “غير مقبول”، ومهدداً بإعادة فرض العقوبات.
رفضه للأمم المتحدة وانتقاداته اللاذعة
تكررت خلال الخطاب انتقادات حادة للأمم المتحدة، حيث وصفها بأنها لم تقدم شيئاً للولايات المتحدة، وأنها فشلت في وقف الحروب أو دعم جهود بلاده، منتقداً بشدة “ازدواجية المعايير” وفساد بناء مقر المنظمة.
وشدد ترامب على أن الولايات المتحدة تريد إنقاذ الأرواح وليس الجوائز أو التكريم، وأنها تمد يد الصداقة لأي دولة ترغب في التعاون لبناء عالم أكثر أمنًا وازدهارًا.
قضايا الطاقة والبيئة: هجوم على سياسات “الطاقة الخضراء”
أمّا في مجال الطاقة والبيئة، فقد انتقد ترامب سياسات الطاقة المتجددة، واصفًا مزارع الرياح بأنها “هزيلة” وأن أوروبا تعاني بسبب “خدعة الطاقة الخضراء” التي ترفع تكلفة المنتجات وتضر بالاقتصاد.
وقال إن الصين تستغل الموارد الطبيعية بكثافة بينما تصدر مراوح طاقة الرياح إلى العالم، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تملك أكبر احتياطي نفط وغاز في العالم، وأنه انسحب من اتفاقية باريس للمناخ لأن بلاده كانت تتحمل العبء الأكبر.
ملف الهجرة: سياسة صارمة وحماية الحدود
تناول ترامب ملف الهجرة بحدة، مؤكداً أن الولايات المتحدة تسيطر الآن على حدودها بشكل كامل، وأنه أكثر الرؤساء الأمريكيين شعبية في هذا الملف.
اتهم الأمم المتحدة بدعم تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى بلاده، وهاجم دول أوروبا التي تعاني من تدفق لا محدود للمهاجرين، محذرًا من أن بلدانًا مثل لندن “ستعتمد قريبًا الشريعة الإسلامية” بسبب سياسات الهجرة.
ودعا إلى ضرورة إيجاد حلول للمشكلات في بلدان المصدر بدلاً من تحمل أعباء المهاجرين في دول اللجوء.
دعوة إلى بناء عالم أكثر أمانًا وسلامًا
أنهى ترامب خطابه بدعوة واضحة للعمل الجماعي لبناء عالم أكثر أمانًا وازدهارًا، داعياً إلى الدفاع عن حرية التعبير، والعمل على حفظ السلام، معتبراً أن أسلافه ضحوا بحياتهم لبناء الأمة الأمريكية التي يريد استمرارها قوية ومؤثرة على الساحة الدولية.
كان خطاب ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بمثابة عرض شامل لرؤيته السياسية والاقتصادية، ممزوجاً بالانتقادات الحادة للمؤسسات الدولية، خاصة الأمم المتحدة، التي اعتبرها غير فعالة وغير داعمة لجهوده. كما تميز الخطاب بطابعه الاستعراضي وطوله غير المعتاد، ما أثار ردود فعل متباينة بين المتابعين، إذ رأى البعض أنه كان ثرياً بالمعلومات، بينما اعتبره آخرون مفرطًا في الاستعراض وفوضويًا. في كل الأحوال، شكّل هذا الخطاب علامة بارزة في تاريخ خطابات القادة الأمريكيين على المسرح الدولي.




