رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

دكتورة أمل منصور تكتب.. دفء الحاجة بعد أن خاضت ضجيج الرغبة

دكتورة أمل منصور
دكتورة أمل منصور

في سن ما في الحياة نتوقف نحن عن السعي خلف ما لا نريده ونبدأ الإصغاء لما يريده القلب، لا لأننا تعبنا بل لأننا أصبحنا لا نرى الدنيا كما هي، بل كما صارت بداخلنا، تتبدل لدينا الخريطة لتصبح العلاقات العميقة أكثر ندرة والحقيقة أكثر وضوحًا، نصبح أكثر وعيًا بأنفسنا، نعرف ماذا نريد وما لا نريد، لا نخفي الاحتياج بل ربما نمنحه أسماء أخرى.
 

ربما يحدث ذلك بعد سنوات من المسؤوليات، الضغوط، التنازلات، الانشغالات، لنصل إلى ما يطلق البعض عليه منتصف العمر، في هذا العمر نصغي لأنفسنا كما لم نفعل من قبل، نصبح أقرب لقلوبنا وأكثر حنانًا مع أرواحنا، ليس ضعفًا بل لأننا تعلمنا أن اللين هو الوجه الآخر للقوة.
 

نمر في هذا السن بمراحل مراجعة شاملة، نبدأ في إعادة النظر في علاقاتنا، في اختياراتنا، في تفاعلنا مع المجتمع، نتخلى عن المجاملات التي تستهلكنا ونقترب ممن يمنحونا شعورًا حقيقيًا بالقبول لنصبح أكثر انتقائية لا من باب الغرور بل من باب الحماية، نحمي أنفسنا من الاستنزاف المتكرر من كل من لا يشبهنا.
 

وفي ظل كل هذه التحولات يشتد توق كل منا إلى مشاعر حقيقية، إلى روابط صادقة، إلى حديث يلامس العمق لا السطح، ولهذا تبدو مشاعر هذه المرحلة أكثر حرارة، لأنها تولد من النضج لا من الحاجة، من الفهم لا من التسرع، هنا نحن لا نريد من الآخر أن يملأ فراغنا بل أن يشاركنا امتلاءه.


أنها الأربعين من العمر والتي تبدأ فيها شخصياتنا بالاستقرار الكامل لنصبح أكثر وعيًا بمشاعرنا وحدودنا، لذا تكون مشاعر هذه المرحلة قوية ليست مبالغ فيها لكنها واضحة ومدروسة.


هي نقطة التقاء بين ما كناه وما صرنا عليه، نكون قد تجاوزنا فترة التكوين المربكة واكتسبنا معرفة كافية بأنفسنا تجعلنا نميز بين الحاجة للحب والحب الحقيقي.


لم نعد نهرب من الفراغ العاطفي بالعلاقات، بل نواجه وحدتنا بشجاعة ونعلم متى نحتاج إلى الآخر ومتى نحتاج إلى أنفسنا.


يخيل إلى البعض أن الأحاسيس والمشاعر تخبو مع الزمن، والقلب كلما تقدم به العمر صار أكثر جفافًا، لكن ما يحدث في الأربعين يثبت العكس تمامًا، فهي مرحلة مفصلية تتبدل اللغة فيها ويصبح الحضور أبلغ من الكلام، والصدق أهم من الإبهار، إنها ربما تشبه مرحلة الهدوء بعد العاصفة.


في الأربعين نحب بوعي، نتمسك بما يجعلنا نشعر أننا مازلنا أحياء، لأننا أخيرًا فهمنا أن النضج لا يعني أن نتخلى عن المشاعر بل أن نعيشها كما تستحق.


عندما نصل إلى سن الأربعين نعيش مشاعر ربما كنا قد نسيناها أو تجاهلناها في ظل الضغوط اليومية، نشعر بها بعمق وكأنها تتكشف لأول مرة، تصبح مشاعرنا أكثر نضجًا لأنها نابعة من تجربة الحياة وألمها.


ما يميز مشاعر الأربعين هو وضوحها، لايوجد فيها مكان للتهرب، نحن هنا أمام أنفسنا معترفين أن الحب ليس مجرد كلمة بل هو فعل صادق، وأن السعادة ليست حالة عابرة بل هو قرار نأخذه بأيدينا بعد رحلة طويلة من التعلم، نعيش اللحظة كما يقال بكل ما فيها، نتمسك بكل فرصة للفرح لأننا نعلم أن الحياة لا تأتي كما نريد دائمًا، وهذا هو الفرق بين مشاعرنا في الأربعين ومشاعرنا فيما قبل ذلك.


فمشاعرنا ما قبل الأربعين محكومة بالاندفاع والعاطفة التي لم تنضج بعد، لكن في الأربعين نحن نحب ليس فقط بسبب ما نراه في الآخر بل بسبب ما اكتشفناه في أنفسنا، لقد أصبحنا أكثر قدرة علي التقبل والمشاركة.


فالبعض يندهش من قوة المشاعر التي تستعيد حضورها في حياتنا في هذه المرحلة رغم مرور سنوات علينا ونحن نتحمل المسؤوليات ونتنقل بين مشاغل الحياة اليومية، أنه ليس سن النهاية، بل هو بداية لمرحلة جديدة، بداية ربما لحب أعمق وأكثر صدقًا، أحلام تبنى على أساس من التجارب نعيد فيها اكتشاف ما هو مهم وما يستحق العيش من أجله.


في الواقع هذا يشبه ما يسمى بالانبعاث العاطفي، وهذا بالطبع لم يأت من فراغ، نحن لم نعد نحتاج أن نبدو أقوياء طوال الوقت، نحن أصبحنا أكثر صدقًا مع ما نشعر به، نحب نعم لكننا لم نحب هربًا من الوحدة، نحب ربما لأننا أخيرًا فهمنا معني أن يكون هناك من يرى فينا ما عجزنا نحن أحيانًا عن رؤيته.
 

البعض يتهم مشاعر الأربعين أنها تشبه مراهقة متأخرة، بل هي مراهقة ناضجة، مراهقة تكفي أن تعرف متى تتكئ ومتي تمضي، فيها ندرك أن الطمأنينة أعمق من الانبهار، لأننا هنا لا نبحث عن الكمال بل عن الصدق ولا نهتم بما يبدو جيدًا، بل بما نشعر أنه حقيقي، لا نطلب شريكًا كاملًا، بل من يري هشاشتنا ويختار البقاء، هنا يصبح لدينا قدرًا عال من المرونة العاطفية، فهي لا تعني أن نكون أقوياء طوال الوقت، بل تسمح أن نكون صادقين بما نشعر به.


وفي الأربعين نمتلك تلك المرونة العاطفية، نحب لكن بوعي، دون خوف، هنا المشاعر ليست خفيفة أو متهورة بل ناضجة بالخبرة، واضحة كوضوح الشمس، كما ندرك أن الحب ليس وعدًا فقط، بل ممارسة يومية للمشاركة، كل تجربة مررنا بها، كل قلب انكسر، كل خيبة مرت كانت إعدادًا لهذا العمر، ربما لم تتغير كثيرًا، لكننا أخيرًا فهمنا أنفسنا أكثر.


أنه عمر الوقوف على أطراف الحلم، العمر الذي تبدأ فيه الحياة بحق، ندرك فيه أن العلاقة ليست صراع ينتصر فيه، بل شراكة تبنى على الرؤية المشتركة، نفهم أن الحب يقاس بجودة الحضور لا بكم الكلمات.


هي مرحلة التمركز حول الذات الناضجة لتبدأ المشاعر في التحول من البحث عن الاكتمال في الآخر إلى الاكتمال مع الآخر.
 

نعرف كيف نحب دون أن نخسر أنفسنا.


لا نبدأ من جديد، بل نبدأ بشكل مختلف أكثر صدقًا.


فالحب في هذه المرحلة هو الحضور الهادئ العميق الذي يجمع بين رجل وامرأة، هو يعرف كيف يصغي ويري ما خلف الكلام، وهي تقدر من يراها دون أقنعة.


هو عمر يلتقي فيه النضج بالاحتياج، المرأة تحب بعمق، الرجل يحب بحكمة، كلاهما تعلم من خسارته.
 

الرجل يحتاج إلى مساحة آمان يقول فيها: آراكي كما أنتي لا كما أتخيلك، وهي ترد: اقبل حضورك لا محاولتك لتغييري.
 

إنها مرحلة الاستقرار الوجداني، ولعل أجمل ما في هذا العمر أنه يجعلنا ندرك أن الحياة لم تنته بعد، بل بدأت الآن، حيث صار القلب أكثر صدقًا والعقل أكثر رحمة والروح أكثر احتياجا للدفء.

تم نسخ الرابط