رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

دكتورة أمل منصور تكتب: وهم الاكتفاء العاطفي

دكتورة أمل منصور
دكتورة أمل منصور

نحن لا نبحث عن الحب دائمًا، أحيانًا نبحث عن شخص يرمم ما انكسر فينا، لكن هل الاكتفاء العاطفي ممكن حقًا؟ أم أنه وهم نخلقه من جوع  قديم؟. 
قبل أن نسأل أنفسنا لماذا لا نشعر بالاكتفاء العاطفي؟، لابد أن نتساءل هل نحب لننضج أم لنشفى؟ هل من نحبه هو شريك لنا أم ظل نختبئ فيه؟، ربما لا ينقصنا الحب، بل ينقصنا فهم أعمق لذاتنا التي تطلب هذا الحب.
نبحث عن الآخر كمن يبحث عن وطن ضائع، عن ماء يروينا من تعب العالم، لكننا في مرات كثيرة لا نبحث عن الحب بقدر ما نبحث عن اكتفاء لا يأتي عن يد نحملها مهمة انتشالنا من أنفسنا.
نقول أننا نريد علاقة تشبعنا، تغرقنا دفئًا، تملأ فراغاتنا العاطفية، لكننا لا نلتفت إلى أن هذا الامتلاء الذي نرجوه قد لا يتعلق بالحب بقدر ما يرتبط بشئ أعمق، نقص فينا لم نواجهه، فأسقطناه على الأخر.
حين نطلب من الحب أن يرمم ما لم نصلحه فينا، كل طرف يدخل العلاقة بحقيبة غير مرئية، تجاربه السابقة، طفولته، نقاط ضعفه النفسية، البعض يطلب من الحب أن يملأ كل فراغاته النفسية، لكن الطرف الآخر ليس معالجًا نفسيًا ولا ملاكًا، بل هو إنسان يخطئ، يتعب، ويحتاج بدوره، وكل منا بطبيعته يتوق للاكتمال، لكن الاكتمال لا يكون بحضور الآخر فقط، بل بالتصالح مع النفس.
فالعلاقات العاطفية لا تفشل بسبب قلة الحب، بل بسبب كثرة التوقعات غير الواعية اكتمالًا لنواقص غير محسوبة تتحكم أحيانًا في سلوكنا داخل العلاقة دون أن نشع، نحن لا نفشل في الحب، نحن نفشل حين ننتظر من الحب أن يكون علاجًا شاملًا، وعندما نعتقد أن المشكلة في الآخر بينما جذورها في دواخلنا.
ليس المطلوب أن ندخل العلاقة كاملين، فذاك وهم آخر، لكن أن ندخلها واعين بما نحتاج وبما نخشى، أن نتعلم أن نكون لأنفسنا مصدر دعم لا عبئًا على من نحب، فالحب لا يعوض غيابك عن ذاتك بل يكشفه، فإما أن تواجه الغياب أو أن تغرق شريكك في محاولات دائمة لإثبات حبه لك حتى يختنق منك.
في البداية نتعلق بفكرة أن من يحبنا سيفهمنا من نظرة وسيلبي حاجاتنا دون أن نطلب، فقط لأن المشاعر حاضرة، لكننا نتناسى أن الحب شعور، بداية لا ضمان.
وهنا نقف أمام المشاكل بلا أدوات سوي قلب مرهق، نبكي ونحن نحب، نغضب ونحن نحب، نرحل أحيانًا والحب لا يزال قائمًا، لكنه عاجزًا، فالعلاقات التي تبنى فقط على العاطفة تنهار أمام أول اختبار للواقع، وهنا تبدأ المشكلة النفسية المغلفة بالمشاعر، عندما نظن نحن أن الحب سيشفينا من نواقصنا النفسية بينما الحقيقة أن العلاقة تصبح مرهقة تعكس هشاشتنا، نطالب الآخر أن يفهمنا دون شرح، أن يشعر بنا دون أن نتكلم، أن يكون مصدرًا للطمأنينة الدائمة ثم نندهش حين يتعب.
في العلاقة بين الرجل والمرأة يدخلان بعاطفة، نعم، لكن أيضًا بدوافع نفسية عميقة ومختلفة، فالرجل يميل إلى ربط القيمة بالقدرة على الإنجاز، فيعبر عن الحب بالفعل، بالتحمل وبالصمت أحيانًا، بينما المرأة ترى في الكلمات، الاحتواء والانتباه، علامات الحب الأساسية وتربط بينها وبين الأمان، هو يظن أنه حاضر، لأنه لم يرحل، وهي تشعر بالغربة رغم قربه، هي تتكلم فيظنها تبالغ، هو ينسحب ليسكت الغضب، فتراه هي أنه يهجرها، فيساء تفسير سلوك الآخر في ضوء احتياجاتنا غير المعلنة، وربما تنهار العلاقة بهدوء وسط حب حي، وهنا تظهر الفجوة العاطفية لكل طرف يشعر بأنه يعطي ولا يفهم.
وهنا سؤال جوهري، هل نحب لنكمل بعضنا أم لنكمل أنفسنا؟، كثير من العلاقات العاطفية تتعثر لأنها تبدأ من احتياج، لا من امتلاء، لكن الاعتماد الكلي على الآخر عاطفيًا يربك الحب.
والواقع أن الاكتفاء الحقيقي لا يأتي من الآخر بل يأتي من نفسك التي تعرف نواقصها، من علاقتك بذاتك، من وعيك بأن الحب ليس كل شيء بل أحد الأشياء المهمة، وبأن ندرك أن العلاقة الجيدة لا تقوم على الكفاية بل فقط على الشراكة. 
أنها معادلة صعبة ومعقدة، الحب يشعل القلب لكن التفاهم ينقذ العلاقة، العاطفة تصنع القرب لكن الوعي يصون المسافة، وهنا المفارقة أن أغلب الانهيارات لا تحدث بسبب نقص الحب بل بسبب الإشباع العاطفي غير المتوازن وسوء الفهم العميق بين ما يحتاجه كل طرف وما يظن أن الآخر يحتاجه، وهنا لا تتطابق القواميس وببدء سوء الفهم ويولد الشعور بالوحدة في قلب العلاقة وهنا يظهر الوهم، لأن الحب عندما يتحول إلى اعتماد عاطفي مطلق ينهك العلاقة أكثر مما يدعمها، وهنا ندخل إلى الجذور النفسية، نحن نطلب من الحب أن يملأ فراغاتنا النفسية؟، هل يفترض أن يعالج الطرف الآخر جراح طفولتنا؟، هل عندما نقول "أحبك" نعني بها "أريدك" أم "احتاجك لتشعرني إني كاف".
في العلاقات الناضجة نحتاج أن نفهم أنفسنا قبل أن نطلب أن يفهمنا الآخر.
وفي غياب هذا الوعي يتحول الحب إلى ساحة صراع غير معلن، وتبدأ لعبة الاتهامات "أنت اتغيرت" "أنت لم تعد تحبني كما كنت".   
بينما الحقيقة أن الحب لم يتغير بل اصطدم بالواقع ولم يجد من الأدوات ما تساعده على البقاء، ونحن بالتأكيد لا نبحث عن شريك كامل بل عن شريك نكبر معه.
فالحب وحده لا يكفى، لكن حين يتكأ على النضج والصدق والإنصات يصبح نقطة انطلاقة لحياة داخل الحياة، حينها فقط لا يكون وهما بل وعدًا قابلًا للبقاء.

تم نسخ الرابط