دكتورة أمل منصور تكتب: ما بين القلب والعقل.. فن اتخاذ القرارات العاطفية
نميل، وننجذب، ونشتاق، ونغضب... ثم نغفر....نحب بلا حساب
لكننا لا نُولد ونحن نُجيد اتخاذ القرار.
القرار مهارة، والعاطفة طبع. وحين يتداخل الطبع مع المهارة، يصبح الحُكم على الأمور أكثر تعقيدًا، خاصةً حين يكون القلب هو مَن يُمسك بالدفة.
في العلاقات العاطفية، لا تتجلّى إنسانيتنا فقط في ما نشعر به، بل في ما نختاره رغم ما نشعر به.
فأن تحب شخصًا لا يعني بالضرورة أنه الأنسب لك.
وأن تشتاق لا يعني أن تعود.
وأن تتألم لا يعني أن تكمل الطريق.
القرارات العاطفية الناضجة لا تنكر المشاعر، لكنها لا تُسلّم لها القيادة.
العقل هنا لا يُلغي القلب، بل يحاوره.
يسأله: هل ما تريده اليوم، سيكون خيرًا لك غدًا؟
ويُذكّره: بأن الحنين ليس برهانًا، وأن التعلق ليس حبًا، وأن الحب أحيانًا يكون في الرحيل لا في البقاء.
نخطئ حين نظن أن اتخاذ القرار في العلاقات يجب أن يكون "باردًا"، أو خاليًا من الإحساس.
فالقرار الأكثر صدقًا هو ذاك الذي يعرف أوجاع القلب لكنه لا يتركها تتحكم في المصير.
هو قرار يُبنى على مزيج ناضج من الفهم، والصدق مع الذات، والاعتراف بما لا يصلح وإن كان جميلاً.
ما يربكنا في الحب ليس المشاعر، بل القرارات التي لا نعرف كيف نأخذها في ظلها.
فنصبر أكثر مما يجب، ونسامح أكثر مما نستطيع، ونؤجل الرحيل حتى تتآكل الكرامة، فقط لأن "القلب لا يزال يحب".
لكن، هل يكفي الحب وحده؟
هل المشاعر العميقة مبررٌ كافٍ للاستمرار؟
وهل الانسجام اللحظي يُغني عن الغياب المتكرر؟
هنا يُصبح القرار العاطفي فنًا لا يتقنه سوى مَن تعلّم الإصغاء لقلبه، دون أن يُعطّله عن رؤية الحقيقة.
العلاقات لا تنهار دائمًا بسبب خيانة أو صدام، بل أحيانًا تنهار بسبب قرارات مؤجلة، أو قرارات عُرفت ولم تُؤخذ.
في النهاية، ليس السؤال: "ماذا أشعر؟"، بل: "ماذا أحتاج؟"
وما بين القلب والعقل، هناك طريق صعب... اسمه النضج.
في المرة القادمة التي تقف فيها حائرًا بين ما يُمليه قلبك وما يهمس به عقلك، لا تُسكت أحدهما.
استمع لكليهما، ثم اختر ما لا يكسرك بعد حين.
فالحب الصادق لا يطلب منك أن تتخلى عن نفسك، ولا القرار الناضج يطلب منك أن تتخلى عن الحب... بل أن تضعه في مكانه الصحيح.



