القاهرة تحذر من العجز المائي وتطالب بدعم دولي لمواجهة تحديات النيل وسد النهضة
تطرح مصر مخاوفها المائية أمام المجتمع الدولي خلال مشاركتها في أعمال الشق الوزاري من المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة، المنعقد حالياً بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، حيث تستعرض رؤيتها بشأن أزمة ندرة المياه والتحديات التي تواجهها، وعلى رأسها تأثيرات التغيرات المناخية وأزمة سد النهضة الإثيوبي.
وتأتي المشاركة المصرية في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً متزايدة على مواردها المائية، في ظل عجز مائي كبير تعتمد معه الدولة على خطط متواصلة لإدارة الموارد المتاحة، بالتزامن مع استمرار الخلاف مع إثيوبيا بشأن تشغيل سد النهضة على النيل الأزرق.
ويشارك وزير الموارد المائية والري هاني سويلم في فعاليات المنتدى، الذي يناقش الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، والخاص بضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي وإدارتها بشكل مستدام لجميع شعوب العالم.
عجز مائي يتجاوز 54 مليار متر مكعب سنوياً
وتعتمد مصر بشكل أساسي على مياه نهر النيل، حيث تبلغ حصتها التاريخية نحو 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، تمثل المصدر الرئيسي لنحو 97% من احتياجات الشرب والزراعة.
وفي المقابل، تشير البيانات الرسمية إلى أن موارد مصر المائية تبلغ نحو 60 مليار متر مكعب سنوياً، بينما تصل الاحتياجات الفعلية إلى نحو 114 مليار متر مكعب سنوياً، ما يخلق فجوة مائية تقدر بحوالي 54 مليار متر مكعب سنوياً.
ويزداد القلق المصري بسبب تداعيات سد النهضة الإثيوبي، الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، وسط مخاوف مصرية وسودانية من تأثيراته المحتملة على تدفقات المياه، خاصة خلال فترات الجفاف.
ويرى خبراء أن التحرك المصري في المحافل الدولية يهدف إلى توضيح حجم التحديات التي تواجهها البلاد، وحشد الدعم الدولي لضرورة التوصل إلى حلول توافقية تضمن حقوق جميع دول حوض النيل دون الإضرار بدولتي المصب.
تحرك دبلوماسي لحشد الدعم الدولي
وقال وزير الري الأسبق محمد نصر علام إن المشاركة المصرية في المنتدى الأممي تحمل أهمية كبيرة لتعريف المجتمع الدولي بحجم الأزمة المائية التي تواجهها مصر، مشيراً إلى أن البلاد لا تسعى فقط للحفاظ على حصتها الحالية من مياه النيل، وإنما تحتاج إلى زيادة مواردها المائية لمواكبة احتياجاتها المتنامية.
وأوضح أن مصر انتقلت من مرحلة الفقر المائي إلى مرحلة الندرة المائية، بعدما انخفض نصيب الفرد من المياه إلى نحو 500 متر مكعب سنوياً، وهو مستوى يقل كثيراً عن الحد الأدنى العالمي للفقر المائي.
وحذر من استمرار تراجع نصيب الفرد خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى احتمالية وصوله إلى نحو 480 متراً مكعباً سنوياً، بما يمثل أقل من نصف الحد الأدنى المعترف به دولياً.
وتتزامن المشاركة المصرية مع استعدادات مؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026، حيث تترأس مصر بالتعاون مع اليابان الحوار التفاعلي "المياه من أجل الكوكب"، بهدف تعزيز النقاش الدولي حول قضايا الأمن المائي والتنمية المستدامة.
سد النهضة في صدارة المخاوف المصرية
وتأتي التحركات المصرية بعد سنوات من المفاوضات مع إثيوبيا بشأن سد النهضة، الذي يمثل أحد أبرز ملفات الأمن القومي المائي لمصر.
وتؤكد القاهرة باستمرار ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد، وترفض أي إجراءات أحادية قد تؤثر على حقوق دول المصب.
وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد دعا دول حوض النيل إلى تحقيق منفعة متبادلة ومصالح مشتركة، مع التأكيد على أهمية استعادة التوافق بين دول المنطقة، ورفض أي خطوات منفردة في إدارة الموارد المائية المشتركة.
وترتبط دول حوض النيل ضمن مبادرة تأسست عام 1999 بهدف تعزيز التعاون في إدارة الموارد المائية وتحقيق التنمية المشتركة، إلا أن الخلافات حول اتفاقية "عنتيبي" أدت إلى تعليق مصر والسودان مشاركتهما في المبادرة عام 2010 اعتراضاً على بعض بنودها المتعلقة بحقوق المياه.
وأكد خبراء أن التحرك المصري في الأمم المتحدة يأتي ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز التعاون الدولي في ملف المياه، وجذب التمويلات والتكنولوجيا الحديثة لدعم مشروعات ترشيد استخدام المياه وتحسين كفاءة إدارة الموارد المائية.
وتسعى القاهرة إلى التأكيد على أن قضية المياه ليست ملفاً تنموياً فقط، بل ترتبط بشكل مباشر بالأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ما يجعل الوصول إلى حلول عادلة ومستدامة ضرورة لجميع دول حوض النيل.



