رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

دكتورة أمل منصور تكتب: ليس كل صمت حكمة.. أحيانًا يكون بداية النهاية

دكتورة أمل منصور
دكتورة أمل منصور

يعتقد كثيرون أن الصمت هو أكثر ردود الأفعال نضجًا، وأن الإنسان الحكيم هو الذي يبتلع كلماته، ويتجاوز ما يؤلمه، ويترك الأيام تعالج ما أفسدته المواقف. تبدو هذه الفكرة جميلة في ظاهرها، لكنها ليست صحيحة دائمًا. فهناك صمت يحمي العلاقة، وصمت آخر يقتلها ببطء. هناك صمت يمنح المشاعر فرصة لتهدأ، وصمت يجعل القلوب تبرد حتى وإن بقيت الأجساد متجاورة.

العلاقات الإنسانية لا تنهار في لحظة، ولا تنطفئ بسبب خلاف عابر، لكنها قد تفقد روحها مع كل كلمة لم تُقل، وكل شعور ظل حبيس الصدر، وكل سؤال مات قبل أن يجد من يجيب عنه. فالقلب لا يخاف من الحقيقة بقدر ما يخاف من الغموض، والإنسان يستطيع أن يتعامل مع أصعب الإجابات، لكنه يعجز أمام الصمت الذي يتركه يفسر كل شيء بطريقته، وغالبًا ما تكون تفسيراته أكثر قسوة من الحقيقة نفسها.

بين الرجل والمرأة لا يكون الصمت مجرد غياب للكلام، بل يصبح لغة كاملة، لغة يقرأها كل طرف بحروف مختلفة. الرجل قد يصمت لأنه يظن أن الوقت كفيل بإطفاء الخلاف، أو لأنه لا يجيد التعبير عما يشعر به، أو لأنه يخشى أن تتحول كلماته إلى وقود يزيد النار اشتعالًا. في داخله قد يكون ممتلئًا بالأسئلة، مثقلًا بالضغوط، راغبًا في السلام أكثر من رغبته في الانتصار، لكنه لا يعرف كيف يترجم كل ذلك إلى كلمات.

أما المرأة، فإنها كثيرًا ما تسمع هذا الصمت بطريقة مختلفة تمامًا. لا تراه محاولة للتهدئة، بل تعتبره انسحابًا، أو تجاهلًا، أو إعلانًا غير مباشر بأن مشاعرها لم تعد ذات أهمية. تبدأ في البحث عن تفسير، ثم عن تفسير آخر، ثم تمتلئ المساحات الفارغة باجتهادات العقل، ويصبح الخيال أكثر حضورًا من الواقع. وكلما طال الصمت، ازدادت الفجوة بين ما يقصده الرجل، وما تفهمه المرأة.

المشكلة أن الإنسان لا يتألم فقط مما يحدث، بل يتألم أيضًا مما يتخيله. وما أكثر القصص التي ينسجها العقل في غياب الحقيقة. كلمة واحدة قد تمنع مئات الظنون، لكن الصمت يمنحها جميعًا حق الحياة.

الرجل في أعماقه ليس كما يبدو دائمًا. كثير من الرجال تربوا على أن إخفاء المشاعر قوة، وأن الشكوى ضعف، وأن التعبير المستمر يقلل من الهيبة. لذلك يحمل داخله أعباءً لا يشاركها مع أحد، ويؤجل الحديث حتى يظن أن المشكلة انتهت، بينما تكون قد كبرت داخل قلب الطرف الآخر. يعتقد أنه يحمي العلاقة بصمته، غير مدرك أن شريكة حياته كانت تنتظر منه جملة قصيرة تطمئنها أكثر مما كانت تنتظر حلولًا معقدة.

وفي المقابل، ليست المرأة مولعة بكثرة الكلام كما يظن البعض، بل مولعة بالاطمئنان. تريد أن تعرف مكانها في قلب من تحب، وأن تشعر بأنها مرئية، وأن ما يؤلمها يجد صدى في قلبه. وعندما لا تجد ذلك، لا يغضبها الصمت نفسه، بل المعنى الذي يحمله إليها هذا الصمت.

كم من رجل عاد بعد أيام يتحدث بصورة طبيعية، معتقدًا أن الخلاف انتهى تلقائيًا، بينما كانت المرأة قد أنهت داخلها عشرات الحوارات التي لم يسمعها، وبكت دموعًا لم يرها، وخاضت مع نفسها معارك لم يعلم عنها شيئًا. وكم من امرأة اختارت الصمت بعد محاولات متكررة للحوار، ليس لأنها لم تعد تملك كلامًا، بل لأنها تعبت من تكراره دون أن تجد أذنًا تنصت وقلبًا يستوعب.

الأخطر من الصمت أنه لا يأتي فجأة، بل يبدأ صغيرًا جدًا. رسالة لم يُرد عليها باهتمام، سؤال أُجِّل بلا مبرر، اعتذار تأخر، انشغال أصبح عادة، لقاء فقد دفئه، نظرة لم تعد تحمل الشوق نفسه. تفاصيل تبدو عابرة، لكنها مع الزمن تتحول إلى طبقات من الجليد تغطي دفء العلاقة. وكل طرف يظن أن الآخر سيفهمه دون أن يتحدث، بينما الحقيقة أن القلوب لا تقرأ الغيب، مهما بلغت قوة الحب.

هناك فرق كبير بين أن تختار الصمت احترامًا للطرف الآخر، وبين أن تستخدمه عقابًا له. الصمت الذي يمنح مساحة للتفكير قد يكون رحمة، أما الصمت الذي يُستخدم لإيلام الآخر، أو لإشعاره بالذنب، أو لإجباره على الاستسلام، فهو من أكثر الأساليب قسوة، لأنه يترك الإنسان وحيدًا في مواجهة أسئلته، ويحرمه من أبسط حقوقه، وهو أن يعرف ما الذي يحدث.

ولعل أكثر ما يؤلم في العلاقات أن الصمت لا يقتل المشاعر دفعة واحدة، بل يسحب منها الحياة بالتدريج. يختفي العتاب أولًا، ثم يقل الاهتمام، ثم تصبح المسافات النفسية أكبر من أي مسافة جغرافية. وبعد ذلك يأتي اليوم الذي يجلس فيه الطرفان في المكان نفسه، لكن كلاً منهما يعيش في عالم مختلف، وكأن بينهما سنوات من الغياب، لا أمتارًا من القرب.

الحب الحقيقي لا يحتاج إلى كلمات كثيرة، لكنه يحتاج إلى كلمات صادقة. يحتاج إلى جملة تقول: "أنا أفهمك"، واعتذار يأتي في وقته، وسؤال بسيط: "هل أنت بخير؟". فهذه الكلمات الصغيرة قد تنقذ علاقة كاملة، لأن الإنسان لا يبحث دائمًا عن الحلول، بل يبحث أولًا عمن يشعر به.

ولذلك، فإن العلاقات الناجحة ليست تلك التي تخلو من الخلافات، وإنما تلك التي لا تسمح للصمت أن يتحول إلى جدار يعزل قلبًا عن قلب. فالحوار ليس دليل ضعف، والاعتراف بالمشاعر ليس انتقاصًا من الكرامة، بل هو شجاعة لا يمتلكها إلا من يدرك أن المحافظة على الإنسان الذي يحبه أهم من المحافظة على صورةٍ يريد أن يبدو بها قويًا.

في النهاية، يبقى الصمت امتحانًا صعبًا لكل علاقة. قد يكون دواءً إذا جاء في موضعه، وقد يتحول إلى سمٍّ بطيء إذا طال أكثر مما ينبغي. فالكلمات قد تُنسى، والخلافات قد تُحل، لكن القلوب التي اعتادت الصمت طويلًا قد تصل إلى مرحلة لا تعود فيها تملك الرغبة في الكلام أصلًا. وعندها لا تكون النهاية قد جاءت بسبب خلاف كبير، بل بسبب آلاف الكلمات التي ماتت قبل أن تُقال... ولذلك، ليس كل صمت حكمة... أحيانًا يكون بداية النهاية.

تم نسخ الرابط