رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

«اطمن».. كلمة بسيطة تخفي وراءها مشروعًا لحماية مستقبل جيل كامل

تعبيرية
تعبيرية

في زمن لم يعد فيه الإنترنت مجرد وسيلة للاتصال أو نافذة للمعرفة، بل أصبح فضاءً موازياً للحياة اليومية، تتشكل داخله الأفكار والقيم والاتجاهات، باتت حماية الأطفال داخل هذا العالم الرقمي مسؤولية لا تقل أهمية عن حمايتهم في الواقع.

فالطفل الذي يحمل هاتفاً ذكياً بين يديه لا يفتح شاشة إلكترونية فحسب، وإنما يطرق أبواب عالم واسع، تتجاور فيه المعرفة مع التضليل، والتعليم مع الترفيه، والإبداع مع المخاطر.

ومن هنا، لم تعد قضية الأمن الرقمي للأطفال ترفاً تنظيمياً، بل أصبحت أحد أهم مرتكزات بناء الإنسان في الجمهورية الجديدة، باعتباره الاستثمار الحقيقي في مستقبل الأمم.

اطمن واطمن على الآخر

وفي هذا السياق، شهدت القاهرة إطلاق خدمتي «اطمن» و**«اطمن على الآخر»**، المعروفتين إعلامياً باسم «شريحة الطفل»، بحضور المهندس رأفت هندي وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، إلى جانب قيادات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات والرؤساء التنفيذيين لشركات المحمول الأربع العاملة في السوق المصرية، في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في فلسفة التعامل مع حماية الأطفال على الإنترنت، من مجرد التوعية والإرشاد إلى توفير أدوات تقنية وتنظيمية تضع الأمن الرقمي في صميم الخدمة ذاتها.

ولعل ما يميز هذه المبادرة أنها لا تنظر إلى الطفل باعتباره مستخدماً عادياً للإنترنت، وإنما باعتباره شخصية في طور التكوين، تتأثر بما تراه وتسمعه وتتفاعل معه، وهو ما يجعل البيئة الرقمية المحيطة به عاملاً أساسياً في تشكيل وعيه ومستقبله.

فكل محتوى يمر أمام الطفل يترك أثراً، وكل تجربة رقمية تسهم بدرجة أو بأخرى في بناء شخصيته، وهو ما يفرض على الدولة والمجتمع والأسرة مسؤولية مشتركة لتوفير فضاء إلكتروني أكثر أمناً واتزاناً.

حق الطفل

ومن هذا المنطلق، جاءت خدمتا «اطمن» و**«اطمن على الآخر»** لتجسدا رؤية متكاملة تقوم على تحقيق معادلة دقيقة بين حق الطفل في الاستفادة من الثورة الرقمية، وحقه في الحماية من مخاطرها. فالهدف ليس عزل الأطفال عن التكنولوجيا، ولا حرمانهم من مزايا الإنترنت، وإنما تمكينهم من الاستفادة من المعرفة والتعلم والتواصل وتنمية المهارات في إطار بيئة رقمية آمنة تراعي خصوصية مراحلهم العمرية.

وقد أكد المهندس رأفت هندي أن إطلاق الخدمتين يأتي تنفيذاً لتوجيهات القيادة السياسية باتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز حماية الأطفال على الإنترنت، مشيراً إلى أن وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تعمل على ترسيخ ثقافة الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، بما يضمن تحقيق التوازن بين تمكين الأطفال من أدوات العصر الرقمي، وبين توفير وسائل فعالة تحميهم من المحتوى الضار والمخاطر الإلكترونية، وفق أفضل المعايير الدولية.

ولا تقتصر أهمية المبادرة على بعدها التقني، وإنما تمتد إلى بعدها الحضاري، إذ تعكس إدراكاً بأن بناء الإنسان يبدأ من حماية وعيه. فالطفل الذي ينشأ في بيئة رقمية صحية يمتلك فرصاً أكبر للإبداع والابتكار والتعلم، بينما قد يؤدي التعرض المبكر للمحتوى العنيف أو غير الأخلاقي أو المضلل إلى آثار نفسية وسلوكية تمتد لسنوات طويلة، وهو ما يجعل الوقاية الرقمية شكلاً من أشكال الأمن القومي المرتبط ببناء الأجيال.

حماية الأطفال

وتعتمد خدمة «اطمن» على منظومة تقنية متقدمة تهدف إلى توفير مستوى مناسب من الحماية للأطفال أثناء استخدام الإنترنت عبر الهاتف المحمول.

إذ تمنع الخدمة الوصول إلى المحتوى الضار وغير الملائم للفئات العمرية الصغيرة، كما تعمل على تفعيل وضع التصفح الآمن، وتشغيل خاصية البحث الآمن عبر أشهر محركات البحث، بما يقلل من احتمالات ظهور نتائج أو مواد غير مناسبة للأطفال أثناء عمليات البحث اليومية.

ولا تتوقف الخدمة عند حدود تصفية المحتوى، بل تمتد لتوفير طبقة إضافية من الحماية السيبرانية، من خلال منع الوصول إلى المواقع الإلكترونية المعروفة باستضافة البرمجيات الخبيثة والفيروسات والتهديدات الرقمية، وهو ما يسهم في حماية الأجهزة والبيانات الشخصية للمستخدمين، ويجعل تجربة الطفل على الإنترنت أكثر أمناً واستقراراً.

أما خدمة «اطمن على الآخر»، فتضيف بعداً تنظيمياً أكثر شمولاً، حيث تتضمن جميع مزايا خدمة «اطمن»، إلى جانب حظر الوصول إلى مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي، بما يوفر مستوى أعلى من الرقابة الرقمية للأسر التي ترى أن أبناءها لم يبلغوا بعد المرحلة المناسبة للتعامل مع هذه المنصات، التي أصبحت تمثل أحد أبرز مصادر التأثير الفكري والنفسي والسلوكي على الأطفال والناشئة.

شركات المحمول الأربع

وتبرز هنا إحدى أهم نقاط القوة في الخدمتين، وهي سهولة الاستخدام؛ فولي الأمر لا يحتاج إلى خبرة تقنية متقدمة أو إلى إعدادات معقدة داخل الهاتف، إذ يمكن الاشتراك في أي من الخدمتين من خلال مالك الخط عبر فروع شركات المحمول الأربع أو مباشرة عبر التطبيقات الرسمية الخاصة بكل شركة، بما يجعل عملية تفعيل الحماية في متناول جميع الأسر المصرية، ويزيل كثيراً من العقبات التي كانت تواجه أولياء الأمور في استخدام أدوات الرقابة الأبوية التقليدية.

وقد استند تصميم الخدمتين إلى التصنيفات والمعايير الدولية الخاصة بحماية الأطفال على الإنترنت، والصادرة عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، وهو ما يمنحهما بعداً احترافياً يضمن توافقهما مع أفضل الممارسات العالمية في مجال الأمن الرقمي للأطفال، ويؤكد أن التجربة المصرية تتحرك في إطار رؤية دولية متكاملة، تراعي التطورات المتسارعة في عالم التكنولوجيا.

لكن نجاح هذه المبادرة لا يقاس فقط بمدى انتشارها، وإنما بقدرتها على إحداث تحول ثقافي داخل المجتمع. فالتكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع وحدها بناء طفل واعٍ، وإنما تحتاج إلى شراكة حقيقية بين الدولة والأسرة والمدرسة والمؤسسات الإعلامية.

فالرقابة التقنية ينبغي أن تتكامل مع الحوار الأسري، والتوعية المستمرة، وتعليم الأطفال قيم المسؤولية الرقمية، واحترام الخصوصية، والتمييز بين المحتوى المفيد والمحتوى الضار.

وزارة الاتصالات 

وفي هذا الإطار، تعمل وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بالتعاون مع الجهات المعنية على وضع إطار حوكمي متكامل لحماية الأطفال على الإنترنت، بالتوازي مع تنفيذ مبادرات وبرامج تستهدف نشر ثقافة الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، وتعزيز الوعي الرقمي لدى الأطفال وأولياء الأمور، بما يرسخ مفهوم المواطنة الرقمية ويؤسس لجيل أكثر وعياً بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي.

فالاستثمار الحقيقي في المستقبل لا يبدأ ببناء المدن الذكية وحدها، ولا بتطوير البنية التحتية الرقمية فحسب، وإنما يبدأ ببناء الإنسان القادر على استخدام التكنولوجيا بوعي ومسؤولية. فالأجهزة والشبكات يمكن تحديثها كل عام، أما الإنسان فلا يُبنى إلا بالتربية والتعليم والحماية الفكرية والأخلاقية.

ومن ثم، فإن إطلاق خدمتي «اطمن» و**«اطمن على الآخر»** يمثل أكثر من مجرد خدمة جديدة تقدمها شركات الاتصالات، بل يعكس فلسفة وطنية ترى أن الطفل هو الثروة الحقيقية للدولة، وأن حماية عقله ووجدانه في الفضاء الرقمي تمثل استثماراً طويل الأمد في مستقبل المجتمع.

الإنترنت  في بيئة أكثر أمناً

فحين يشعر ولي الأمر بالاطمئنان إلى أن أبناءه يتصفحون الإنترنت في بيئة أكثر أمناً، يصبح بإمكان الطفل أن يستكشف المعرفة بثقة، ويتعلم بإبداع، وينمو في عالم رقمي يفتح أمامه آفاق المستقبل، دون أن يفقد حقه في الحماية.

وهكذا، تواصل الدولة المصرية خطواتها نحو بناء مجتمع رقمي متوازن، لا ينظر إلى التكنولوجيا باعتبارها غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لصناعة الإنسان.

وفي النهاية وبينما تتسارع التحولات الرقمية عالمياً، تبرز مبادرات مثل «اطمن» و**«اطمن على الآخر»** بوصفها نموذجاً عملياً يجمع بين الابتكار التقني، والمسؤولية المجتمعية، والرؤية الاستراتيجية لبناء جيل المستقبل؛ جيل يمتلك المعرفة، ويتمتع بالأمان، ويستطيع أن يشارك في صناعة الغد بثقة واقتدار.

تم نسخ الرابط