رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

هكذا تتحول فيروسات الكهوف المعزولة إلى أوبئة تفتك بالبشر

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

​لم يكن الفارق بين حياة طبيعية مستقرة وأخرى تقلبها جائحة عالمية رأساً على عقب سوى تغير جيني متناهي الصغر، لا يمكن رؤيته إلا تحت أدق المجاهر الإلكترونية. هذا ما كشف عنه الستار فريق بحثي دولي مشترك، واضعاً يده على لغز لطالما أرّق العلماء: كيف تقفز الفيروسات من أجساد الحيوانات لتستوطن خلايا البشر؟

​الدراسة التي تعاونت فيها جهات علمية ثقيلة، أبرزها جامعات كاليفورنيا ومعهد باستور ومركز فريد هاتشينسون لأبحاث السرطان، أثبتت أن تبدلاً في "حمض أميني واحد" داخل التركيب الجيني لفيروسات كورونا، كفيل بتحويل فيروس معزول لا يغادر كهوف الخفافيش إلى خطر داهم يهدد البشرية بأمراض قاتلة.

​تاريخياً، ارتبطت معظم الأوبئة الكبرى بحوادث انتقال مسببات الأمراض من عالم الحيوان إلى الإنسان، وهو السيناريو الأقرب لتفسير ظهور جائحة كوفيد-19، نظراً للتشابه الكبير بين فيروس "سارس-كوف-2" والفيروسات المستوطنة في الخفافيش. ومن هنا انطلق الباحثون في رحلة مقارنة مجهرية دقيقة بين الفيروس البشري الفتاك وفيروس آخر قريب منه للغاية يدعى "RaTG13"، وهو فيروس يعيش في الخفافيش فقط ولم يثبت يوماً قدرته على إيذاء البشر.

عبر استزراع خلايا رئة حية مأخوذة من "خفاش حدوة الحصان الكبير" داخل المختبرات، راقب العلماء معركة حية ومباشرة لمعرفة كيف يتفاعل كلا الفيروسين مع الدفاعات المناعية. وهنا ظهر البطل الحقيقي للرواية؛ بروتين فيروسي غامض يسمى "OrfB9".

​وعلى الرغم من أن هذا البروتين يكاد يكون متطابقاً في الفيروسين بنسبة تتجاوز 99%، إلا أن المفاجأة تكمن في اختلاف حمض أميني واحد فقط من بين مائة حمض تشكل هيكله. هذا التغير الطفيف غيّر قواعد اللعبة تماماً؛ ففي نسخة الفيروس البشري، نجح هذا التحور في "شطب" نظام الإنذار المبكر للجهاز المناعي للإنسان، مما أتاح للفيروس وقتاً ذهبياً للتكاثر والانتشار دون مقاومة. وعلى النقيض تماماً، تسببت النسخة الحيوانية للبروتين في إيقاظ دفاعات الخفاش فوراً، مما مكن جسم الحيوان من حصار الفيروس وتحجيمه.

​وعلق الدكتور نيفان ج. كروغان، مدير معهد العلوم البيولوجية الكمية والمشرف الرئيسي على الدراسة، مؤكداً أن الفارق بين فيروس يظل محبوساً في الطبيعة وآخر يغزو العالم يكمن في تفاصيل جزيئية قد تبدو تافهة للوهلة الأولى.

​لكن الأهمية القصوى لهذا الاكتشاف لا تقف عند حدود الفهم النظري، بل تمنح البشرية "راداراً استباقياً" غير مسبوق. فمن خلال تحديد هذه الفروق الجزيئية الدقيقة، سيمكن العلماء مستقبلاً من فحص الفيروسات في بيئاتها الطبيعية، والتنبؤ بالسلالات التي تملك "مفاتيح" اختراق الخلايا البشرية، مما يتيح محاصرة الوباء القادم وصناعة لقاحاته قبل أن يبدأ رحلته خارج الكهوف.

تم نسخ الرابط