5 مليارات دولار و150 منتجًا استراتيجيًا.. كيف تخطط مصر لقيادة التصنيع في أفريقيا؟
في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية العالمية وتبحث الأسواق الكبرى عن مراكز إنتاج جديدة خارج آسيا، تتجه الأنظار نحو أفريقيا باعتبارها واحدة من أهم مناطق النمو الصناعي خلال العقود المقبلة. وفي هذا الإطار، تقدمت جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة (EABA) برئاسة الدكتور يسري الشرقاوي بورقة عمل استراتيجية إلى وزير الصناعة المهندس خالد هاشم، تضمنت رؤية متكاملة لتعزيز مكانة مصر كقائد للتصنيع في القارة السمراء وتحويلها إلى مركز رئيسي للتكامل الصناعي الأفريقي.
وتأتي هذه المبادرة في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات صناعية ولوجستية تجعلها مؤهلة للعب دور محوري في تحقيق أهداف التنمية الصناعية بالقارة، خاصة مع دخول اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية مراحل أكثر تقدماً من التنفيذ.
مصر تتصدر المشهد الصناعي الأفريقي
كشفت الورقة الاستراتيجية أن مصر أصبحت أكبر قوة صناعية في أفريقيا خلال عام 2026، بعدما بلغت القيمة المضافة للقطاع الصناعي نحو 59 مليار دولار، متقدمة على العديد من الاقتصادات الأفريقية الكبرى.
ويعكس هذا الأداء حجم التطور الذي شهدته البنية الصناعية المصرية خلال السنوات الأخيرة، سواء من خلال إنشاء المدن الصناعية الجديدة أو تطوير شبكات الطرق والموانئ والمناطق اللوجستية، إلى جانب التوسع في الصناعات الاستراتيجية والتصديرية.
ورغم هذا التقدم، تشير البيانات الواردة في الدراسة إلى أن القارة الأفريقية بأكملها لا تزال تساهم بنحو 2% فقط من إجمالي الإنتاج الصناعي العالمي، رغم أنها تضم ما يقرب من 18% من سكان العالم، وهو ما يكشف عن فجوة كبيرة وفرص استثمارية هائلة غير مستغلة.
3% فقط قادرة على تغيير مستقبل القارة
وترى الجمعية أن زيادة مساهمة التصنيع في الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا بنسبة 3% فقط ستكون كفيلة بإحداث طفرة اقتصادية واسعة النطاق، من خلال خلق ملايين فرص العمل وزيادة الصادرات وتعميق التصنيع المحلي.
وتؤكد الدراسة أن التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي، خاصة اتجاه الشركات العالمية لتنويع سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على آسيا، تمنح أفريقيا فرصة تاريخية للتحول إلى مركز إنتاج عالمي جديد، على أن تكون مصر بوابة هذا التحول وقاطرته الرئيسية.
صندوق استثمار صناعي أفريقي برأسمال 5 مليارات دولار
من أبرز التوصيات التي تضمنتها الورقة إنشاء صندوق الاستثمار الصناعي الأفريقي المشترك برأسمال مبدئي يبلغ 5 مليارات دولار.
ويستهدف الصندوق تمويل المشروعات الصناعية المشتركة بين مصر والدول الأفريقية، ودعم الصناعات التحويلية، وتوفير التمويل اللازم للمشروعات التي تسهم في نقل التكنولوجيا وتعزيز القيمة المضافة داخل القارة.
كما يمكن للصندوق أن يشكل منصة لجذب المؤسسات التمويلية الإقليمية والدولية للمشاركة في تمويل خطط التصنيع الأفريقية خلال السنوات المقبلة.
توطين 150 منتجًا وتقليص فاتورة الاستيراد
وضعت الجمعية ملف تعميق التصنيع المحلي على رأس أولوياتها، من خلال الدعوة إلى توطين تصنيع 50 منتجًا استراتيجيًا وإحياء إنتاج 150 منتجًا تستوردها مصر حاليًا من الخارج.
وتشير الدراسة إلى أن قيمة واردات هذه المنتجات تصل إلى نحو 28 مليار دولار سنويًا، وهو ما يمثل فرصة كبيرة لتحويل الإنفاق الاستيرادي إلى استثمارات إنتاجية داخل مصر وأفريقيا.
ويهدف هذا التوجه إلى تعزيز الأمن الاقتصادي، وتقليل الضغط على النقد الأجنبي، ورفع نسب المكون المحلي في العديد من الصناعات الحيوية.
مناطق صناعية مشتركة وتأهيل الكوادر
كما أوصت الجمعية بإنشاء 7 مناطق صناعية مشتركة بين مصر وعدد من الدول الأفريقية، بما يسهم في تعزيز التكامل الصناعي والإنتاج المشترك وتبادل الخبرات.
وتشمل الخطة كذلك تدريب وتأهيل 10 آلاف كادر فني وبحثي متخصص، بما يضمن توفير العمالة المؤهلة اللازمة لدعم خطط التوسع الصناعي في مختلف القطاعات الإنتاجية.
ويُنظر إلى تنمية الموارد البشرية باعتبارها أحد أهم عناصر نجاح أي استراتيجية صناعية طويلة الأجل، خاصة في ظل التطور السريع للتكنولوجيا الصناعية عالمياً.
خريطة استثمارية رقمية للقارة السمراء
وتضمنت التوصيات إطلاق أول خريطة استثمارية صناعية رقمية لأفريقيا، توفر قاعدة بيانات متكاملة عن الفرص الاستثمارية والموارد الطبيعية والبنية التحتية والاحتياجات الصناعية للدول الأفريقية.
وتهدف هذه المبادرة إلى تسهيل اتخاذ القرار الاستثماري أمام القطاع الخاص، وتقليل المخاطر المرتبطة بالاستثمار العابر للحدود، فضلاً عن تعزيز الشفافية وتبادل المعلومات بين المستثمرين والحكومات.
«التجارة أولاً ثم التصنيع»
واقترحت الجمعية تنفيذ برنامج "التجارة أولاً ثم التوطين الصناعي" مع 10 دول أفريقية جاهزة للتصنيع، بحيث يتم في البداية تعزيز حركة التجارة البينية، ثم الانتقال تدريجياً إلى إقامة صناعات مشتركة وتوطين خطوط إنتاج داخل تلك الأسواق.
ويرى الخبراء أن هذا النموذج يوفر مساراً عملياً لتحقيق التكامل الاقتصادي، ويمنح المستثمرين فرصة لفهم الأسواق الأفريقية قبل ضخ استثمارات صناعية كبيرة فيها.
الشرقاوي: مصر تمتلك فرصة تاريخية لقيادة التحول الصناعي
وأكد الدكتور يسري الشرقاوي رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة أن ما تم تقديمه ليس مجرد رؤية نظرية، وإنما خطة تنفيذية واضحة تستند إلى أرقام ومؤشرات واقعية.
وأوضح أن مصر أصبحت تمتلك اليوم أكبر قاعدة صناعية في أفريقيا، وأن الوقت قد حان لتحويل فاتورة الاستيراد الضخمة إلى مشروعات إنتاجية وشراكات صناعية مع الدول الأفريقية الشقيقة.
وأضاف أن خمس دول فقط تستحوذ على نحو 60% من القيمة المضافة الصناعية في القارة، الأمر الذي يضع على عاتق مصر مسؤولية قيادة التحول الصناعي الأفريقي والمساهمة في بناء نموذج تنموي جديد قائم على الإنتاج والتصنيع.
لجنة عليا لبدء التنفيذ الفوري
واختتمت الجمعية توصياتها بالمطالبة بتشكيل لجنة عليا مشتركة برئاسة وزير الصناعة لمتابعة تنفيذ المقترحات على أرض الواقع، إلى جانب الإسراع بإطلاق صندوق الاستثمار الصناعي الأفريقي المشترك، وعقد اجتماع وزاري أفريقي دوري لمتابعة مؤشرات الأداء وقياس النتائج المحققة.
وتؤكد هذه الرؤية أن مستقبل النفوذ الاقتصادي المصري في أفريقيا لن يعتمد فقط على التجارة أو الاستثمارات التقليدية، بل على بناء شراكات صناعية حقيقية تعزز التكامل الاقتصادي وتخلق قيمة مضافة مستدامة للقارة بأكملها، بما يدعم مكانة مصر كمركز صناعي واستثماري رئيسي في أفريقيا خلال السنوات المقبلة.


