رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

عندما يرحل السند.. كيف نعد الأطفال لفقد أحد الأبوين دون هدم عالمهم النفسي؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

تتعرض الأسر أحياناً لهزات عنيفة تفوق قدرة العقل البشري على الاستيعاب، ولعل أقساها على الإطلاق هي فاجعة الموت ورحيل أحد الأبوين. وإذا كان الكبار يترنحون تحت وطأة هذا الألم، فكيف يكون الحال مع طفل صغير ما زال يرى الحياة بنظرة وردية، ولم يألف بعد مفهوم الغياب الأبدي؟ هنا تقع الأسرة في حيرة خانقة: كيف نُخبر الصغير بالخبر المشؤوم؟ وكيف نحميه من صدمة نفسية قد ترافقه طوال حياته؟
​للإجابة عن هذه التساؤلات الصعبة، يضع الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي بالأكاديمية الطبية، استراتيجية نفسية واضحة للتعامل مع هذا الموقف الاستثنائي، مؤكداً أن طريقة الإبلاغ ليست قالباً ثابتاً بل تختلف بحسب طبيعة العلاقة وعمق الارتباط.
​1. الارتباط الوثيق: استراتيجية "التمهيد والتدرج"
​يحذر الطب النفسي بشدة من مفاجأة الطفل بالخبر كالصدمة الكهربائية إذا كان مرتبطاً بوالده المتوفى ارتباطاً وثيقاً. في هذه الحالة، يتطلب الأمر حذراً شديداً وتروياً من الشخص المسؤول عن إبلاغه.
​التكتيك النفسي: يُنصح باتباع أسلوب التدرج؛ كأن يُقال للطفل في البداية إن والده يمر بوعكة صحية شديدة ويتلقى العلاج في المستشفى، ثم التمهيد بأن حالته حرجة، وتأجيل إعلان الحقيقة لبضعة أيام مع توالي الحجج المنطقية، حتى يصبح عقل الطفل مهيأً تدريجياً لتقبل فكرة الغياب النهائي دون التعرض لشرخ نفسي مفاجئ.
​2. غياب الأثر: متى يمر الخبر بأقل الخسائر؟
​في المقابل، يوضح د. فرويز أن هناك حالات يمر فيها الخبر دون إحداث صدمة عصبية للطفل؛ وهي الحالات التي يكون فيها الأب مسافراً لفترات طويلة، أو تتسم معاملته بالجفاء والقسوة، بحيث يكون وجوده في حياة أبنائه هامشياً. هنا، يمكن للأم إبلاغ طفلها بشكل مباشر ومبسط بأنه لن يرى والده مجدداً، ومع أن الطفل سيشعر بالحزن الطبيعي والفطري، إلا أن غياب الرصيد العاطفي المشترك يحميه من التعرض لصدمة نفسية حادة.
​3. "الأب البديل": حصان أمان في مواجهة المجتمع
​لا تتوقف المهمة النفسية عند حدود إبلاغ الخبر، بل تمتد لتأمين مستقبل الطفل الوجداني. يشدد استشاري الطب النفسي على حتمية ظهور "أب بديل" في حياة الطفل ليعوض مساحة الغياب؛ وقد يتجسد هذا الدور في (العم، الخال، أو الجد).
​لماذا الرجل البديل؟ يحتاج الطفل لوجود نموذج رجلي في حياته ليحافظ على توازنه السلوكي، ويسد ثغرة النقص التي قد يشعر بها مقارنة بزملائه في المواقف المجتمعية؛ كحفلات المدرسة، الأنشطة الرياضية في النوادي، والتجمعات العائلية.
​معادلة الذكريات: مسؤولية مضاعفة
​يختتم د. جمال فرويز توجيهاته بالتأكيد على أن "الذكريات المشتركة" تلعب دوراً مزدوجاً؛ فكلما كان الأب الراحل قريباً ومحباً، كلما تحركت الذكريات لتزيد من ألم الفقد والأسى لدى الصغير. وهنا تقع المسؤولية الكبرى على "الأب البديل" ليكون واعياً بحجم تلك الذكريات، قادراً على احتواء نوبات اشتياق الطفل، وتحويل الحزن الصامت إلى طاقة دفع إيجابية تحمي سلامة الصغير النفسية.

تم نسخ الرابط