من قلب الدقهلية.. مشروع تكنولوجي غامض يعيد رسم مستقبل الجامعات المصرية
الدقهلية ليست مجرد محافظة تحتضن جامعة عريقة، بل مساحة تتقاطع فيها المعرفة مع الحلم، ويتحول فيها العلم من صفحات جامدة إلى قوة قادرة على إعادة تشكيل المستقبل.
فمنذ أن أدرك الإنسان أن الحضارات لا تُقاس فقط بما تملكه من مبانٍ وطرق، بل بما تنتجه من معرفة وتكنولوجيا، أصبح الاستثمار في العقل هو الرهان الحقيقي لأي أمة تسعى للبقاء في مقدمة العالم.

حاضنات للابتكار
وفي زمن تتغير فيه ملامح الحياة بسرعة الضوء، لم تعد الجامعات مجرد مؤسسات تمنح الشهادات، بل أصبحت مصانع للأفكار، وحاضنات للابتكار، ومنصات تصنع اقتصادًا جديدًا قائمًا على البيانات والذكاء الرقمي.
ومن هنا، جاءت تجربة مركز تقنية الاتصالات والمعلومات بجامعة المنصورة، باعتبارها محاولة جادة للانتقال من مفهوم الإدارة التقليدية إلى فلسفة «الجامعة الذكية» التي ترى في التكنولوجيا لغة المستقبل وأداة صناعة النفوذ المعرفي.
فالتوسع الذي يشهده المركز اليوم لا يتعلق بإضافة طابق جديد أو إنشاء مكاتب حديثة فحسب، بل يعكس تحولًا فكريًا أعمق، يؤمن بأن بناء الإنسان الرقمي يبدأ من توفير بيئة قادرة على احتضان المبدعين، وتحويل الأفكار إلى تطبيقات، والخبرات إلى مشروعات تنافس داخل مصر وخارجها.
جامعة المنصورة
وفي ذلك الصدد بدأت قصة مختلفة في قلب جامعة المنصورة، فبعيدًا عن قاعات المحاضرات التقليدية والمباني الأكاديمية المعتادة، تشكلت ملامح تجربة رقمية متقدمة تسعى الجامعة من خلالها إلى ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز الجامعات الذكية في مصر والمنطقة العربية.
فداخل مركز تقنية الاتصالات والمعلومات، تتسارع خطوات التطوير والتحديث، ليس فقط على مستوى البنية التحتية أو الأنظمة الإلكترونية، وإنما عبر رؤية متكاملة تستهدف تحويل المركز إلى شركة متخصصة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تقدم خدماتها داخل مصر وخارجها.
ومع افتتاح التوسعات الجديدة بالمركز، بدأت مرحلة مختلفة تحمل عنوانًا أكثر طموحًا، عنوانه: «التحول من الدعم التقني إلى صناعة التكنولوجيا».

بنية رقمية بمواصفات عالمية
التوسعات الأخيرة التي شهدها مركز تقنية الاتصالات والمعلومات بجامعة المنصورة لم تكن مجرد إضافة إنشائية عادية، بل جاءت كجزء من خطة استراتيجية تستهدف إعادة تشكيل طبيعة المركز ودوره المستقبلي.
وشملت التوسعات إنشاء دور ثالث جديد داخل المركز، يضم 10 غرف حديثة مجهزة بالكامل، تحتوي على مكاتب متخصصة للمهندسين والمبرمجين والعاملين في مجال تطوير البرمجيات والشبكات.
وقد تم تجهيز هذه المساحات بأحدث التقنيات التكنولوجية والبنية الرقمية المتطورة، بما يتيح بيئة عمل احترافية قادرة على استيعاب مشروعات البرمجيات والتحول الرقمي والتوسع في الخدمات التقنية.
وبلغت تكلفة هذه التوسعات نحو 6 ملايين جنيه، في خطوة تعكس حجم الرهان الذي تضعه جامعة المنصورة على قطاع التكنولوجيا والتحول الرقمي باعتباره أحد أهم محركات التطوير المؤسسي خلال السنوات المقبلة.
انطلاق
وراء هذه التوسعات تقف رؤية أوسع بدأت ملامحها تتشكل مع الإعداد لإشهار شركة «انطلاق» لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والتي ينتظر أن تكون الذراع التقنية الجديدة المنبثقة عن الجامعة.

وتسعى الجامعة من خلال هذه الخطوة إلى الاستفادة من الخبرات المتراكمة داخل المركز، وتحويلها إلى خدمات احترافية متخصصة في مجالات الشبكات والاتصالات والبرمجيات والتحول الرقمي، بما يسمح بتقديم حلول تقنية للجامعات والمؤسسات المختلفة داخل مصر وخارجها.
ويعكس هذا التوجه تحولًا مهمًا في فلسفة الإدارة الجامعية، إذ لم تعد مراكز تقنية المعلومات مجرد وحدات خدمية داخلية، بل أصبحت كيانات قادرة على المنافسة والإنتاج وتقديم الخدمات الرقمية المتطورة وفق معايير السوق التكنولوجي الحديث.
جامعة ذكية
فيما لم يكن النجاح الذي حققته جامعة المنصورة في ملف التحول الرقمي وليد الصدفة، بل جاء نتيجة عمل طويل قاده مركز تقنية الاتصالات والمعلومات، الذي تحول خلال السنوات الماضية إلى العمود الفقري الرقمي للجامعة.
فالمركز يتولى إدارة وتشغيل عشرات الأنظمة الإلكترونية التي تتحكم في مختلف قطاعات الجامعة، بدءًا من شئون الطلاب والعاملين، وصولًا إلى الخدمات الأكاديمية والإدارية والمدن الجامعية.
كما يتعامل المركز حاليًا مع نحو 30 نظام تشغيل مختلفًا، ما يعكس حجم التعقيد التقني الذي يديره بشكل يومي، فضلًا عن قدرته على توفير بيئة تشغيل مستقرة وآمنة تدعم آلاف المستخدمين داخل الجامعة.
وقد ساهمت هذه المنظومة الرقمية المتطورة في حصول جامعة المنصورة على المركز الأول بين الجامعات الحكومية المصرية في مجال التحول الرقمي، إضافة إلى فوزها بجائزة التميز الحكومي المقدمة من وزارة التخطيط، بعد اختيار موقعها الإلكتروني كأفضل موقع إلكتروني على مستوى الجامعات المصرية.

تعاون إقليمي يتجاوز الحدود
نجاحات المركز لم تتوقف عند حدود جامعة المنصورة فقط، بل امتدت إلى تعاونات إقليمية مع عدد من الجامعات العربية، في مؤشر واضح على تصاعد الثقة في الكفاءات التقنية المصرية.
فالمركز يشارك حاليًا في تشغيل وإدارة أنظمة شئون الطلاب والعاملين والمدن الجامعية لعدد من الجامعات المصرية، إلى جانب تعاون تقني مع جامعتين في كل من مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية.
ويؤكد هذا التوسع الخارجي أن المركز بات يمتلك خبرات متقدمة في إدارة الأنظمة الجامعية الذكية، بما يسمح له بالمنافسة إقليميًا في مجال الحلول الرقمية والتطبيقات التعليمية والإدارية.
صناعة المستقبل
داخل الدور الثالث الجديد، تبدو الصورة مختلفة تمامًا عن النمط التقليدي للمكاتب الإدارية الجامعية.
مساحات عمل حديثة، تجهيزات رقمية متطورة، بيئة تعتمد على الابتكار والعمل الجماعي، ومهندسون ومبرمجون يعملون على تطوير أنظمة إلكترونية وحلول تقنية تستهدف مستقبل الجامعة وخدماتها الرقمية.
وتعكس هذه البيئة الجديدة إدراكًا متزايدًا بأن معركة الجامعات في المستقبل لن تكون فقط في التصنيفات الأكاديمية، بل أيضًا في قدرتها على إنتاج المعرفة الرقمية، وتطوير الحلول التكنولوجية، وإدارة خدماتها بكفاءة ذكية.

جامعة المنصورة
وفي النهاية فما يحدث داخل مركز تقنية الاتصالات والمعلومات بجامعة المنصورة يكشف عن نموذج مختلف للجامعات المصرية، نموذج يسعى إلى تجاوز الدور التعليمي التقليدي نحو صناعة التكنولوجيا وإدارة المعرفة الرقمية.
ومع استمرار التوسع في البنية التحتية الرقمية، وإطلاق شركة «انطلاق» لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تبدو الجامعة وكأنها تضع قدمًا جديدة في عالم الاقتصاد الرقمي، مستفيدة من خبراتها البشرية والتقنية المتراكمة.
وفي وقت تتسابق فيه المؤسسات التعليمية حول العالم للتحول إلى جامعات ذكية من الجيل الخامس، تبدو جامعة المنصورة وكأنها تحاول تثبيت موقعها داخل هذا السباق، ليس فقط كمؤسسة تعليمية، بل كمنصة تكنولوجية متكاملة قادرة على إنتاج الحلول الرقمية وتصديرها أيضًا.



