"وجبة ما قبل التاريخ".. سر الـ 260 مليون عام الذي كشفته معدة وحش
في كشف علمي يعيد رسم خارطة الحياة البرية قبل ملايين السنين، نجح علماء الحفريات الروس في فك لغز "البروتوكول الغذائي" لأحد أشرس الكائنات التي عرفتها الأرض في العصر البرمي. الاكتشاف لم يكن نتاج تنقيب جديد فحسب، بل جاء من قلب "متحف كيروف" ليؤكد أن أسرار الماضي قد تختبئ أحياناً في زوايا الهياكل العظمية المعروضة أمام الجمهور.
صدفة تقود لاكتشاف تاريخي
بينما كانت موظفة متحف "فياتكا" لعلم الحفريات، أولجا ماسيوتينا، تجهز هيكلاً عظمياً لـ "وحش" ضخم يُدعى (Viatkosuchus sumini) لنقله إلى منصة عرض جديدة، لاحظت وجود بقايا غريبة وغير متناسقة داخل تجويفه البطني. هذه الملاحظة الدقيقة كانت طرف الخيط لاكتشاف أول دليل قاطع على ما كان يأكله هذا الكائن قبل 260 مليون سنة.
المفترس الذي حير العلماء
ينتمي هذا الكائن إلى فصيلة "الثيروسيفاليات" (وحشيات الرأس)، وهي زواحف متطورة للغاية كانت تشبه الثدييات إلى حد كبير وتُعد قريبة من أسلافها. وبفضل موقع "كوتيلنيتش" الأثري في روسيا، الذي يعد بمثابة "خزنة زمنية" لحيوانات العصر البرمي، تمكن العلماء من دراسة هذه الجماجم والهياكل التي توضح تطور الوحوش المفترسة في القارة الأوروبية.
تشريح الوجبة الأخيرة: فريسة صغيرة لوحش كبير
أثبتت الفحوصات المخبرية، التي نُشرت نتائجها في مجلة Historical Biology، أن المحتويات الموجودة في معدة الوحش تختلف تماماً في لونها وبنيتها عن عظام الهيكل الأصلي. وتبين أنها بقايا متفرقة لزواحف صغيرة تُعرف بـ (Emeroleter levis).
وعثر الباحثون على "عظم فوق صدغي" يحمل زخارف سطحية فريدة (حفر صغيرة متقاربة)، وهي البصمة المميزة لهذا النوع من الزواحف الصغيرة، مما أكد أنها كانت الوجبة الأخيرة للمفترس الضخم.
مفترس "عام" وليس "متخصصاً"
هذا الاكتشاف يغير نظرة العلماء لسلوك "فياتكوسوخوس" الغذائي، فبجمجمة يصل طولها إلى 18 سم، كان يُعتقد سابقاً أنه ربما يتخصص في صيد الفرائس الضخمة فقط مثل "البارياصورات". إلا أن وجود بقايا كائنات صغيرة في أحشائه يثبت أنه كان "مفتراساً عاماً"، يقتنص كل ما يقع في طريقه من فرائس بمختلف الأحجام، مما منحه مرونة عالية في البقاء ضمن بيئته القديمة.
نافذة العالم على العصر البرمي
يؤكد هذا الاكتشاف مجدداً الأهمية العالمية لموقع "كوتيلنيتش" في منطقة كيروف، حيث تساهم المواد العظمية المكتشفة هناك باستمرار في توسيع فهمنا لكيفية تطور الحياة قبل ظهور الديناصورات، وكيف كانت الغابة الروسية القديمة مسرحاً لصراعات دموية بين وحشيات الرأس وضحاياها.



