من الرصيف للعالم.. أسرار المشروع الذي يعيد رسم خريطة اللوجستيات ببورسعيد
حين تتقاطع الجغرافيا مع الطموح، تولد المشاريع الكبرى التي تعيد رسم ملامح المستقبل. وعلى ضفاف قناة السويس، لا تبدو التنمية مجرد خطط اقتصادية أو أرقام استثمارية، بل فلسفة عميقة تقوم على استثمار الموقع والتاريخ معًا لصناعة واقع جديد.
فالمكان الذي كان يومًا مجرد ممر لعبور السفن، يتحول اليوم إلى فضاء واسع للحركة الاقتصادية والصناعية، حيث تتشكل رؤية تنموية تسعى إلى تحويل العبور إلى إنتاج، والموقع إلى قوة اقتصادية قادرة على التأثير في حركة التجارة العالمية.
ومن هنا تنبع أهمية المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تمثل أحد أبرز تجليات هذه الرؤية، إذ لا تُعد مجرد منطقة صناعية أو لوجستية، بل مشروعًا استراتيجيًا يعكس سعي الدولة إلى بناء مستقبل اقتصادي قائم على التكامل بين الجغرافيا والاستثمار، وبين الإمكانات الطبيعية والإرادة التنموية.
المناطق اللوجستية بشرق بورسعيد
في قلب الممر الملاحي الأهم في العالم، تتجه الأنظار نحو مشروع المناطق اللوجستية في شرق بورسعيد، الذي يمثل أحد أبرز المشروعات الاستراتيجية التابعة لـ المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
ويأتي هذا المشروع الطموح تحت عنوان «خطوات إلى المستقبل» ليعكس رؤية الدولة المصرية في تحويل المنطقة إلى مركز عالمي متكامل للتجارة والخدمات اللوجستية والصناعات المتقدمة، بما يدعم الاقتصاد الوطني ويعزز مكانة مصر على خريطة التجارة الدولية.
خدمة التجارة العالمية
تعمل الدولة على إنشاء منطقة اقتصادية متكاملة في شرق بورسعيد، تُنفذ على مرحلتين رئيسيتين، حيث من المقرر الانتهاء من المرحلة الأولى بحلول عام 2030، على أن تمتد أعمال التطوير والتوسع حتى المرحلة الثانية التي تستهدف عام 2050، ضمن خطة طويلة المدى لتحويل المنطقة إلى محور لوجستي عالمي يخدم حركة التجارة بين قارات العالم.
ويشمل المشروع إنشاء ثلاث مناطق لوجستية رئيسية بإجمالي مساحة تصل إلى نحو 24 كيلومترًا مربعًا، تتوزع بين منطقة داخل الميناء وأخرى خارجه، بما يضمن تكامل الأنشطة الصناعية والخدمية مع عمليات النقل البحري والتجارة الدولية.
توزيع المناطق اللوجستية
وفق المخطط العام للمشروع، تتوزع المناطق اللوجستية في شرق بورسعيد على النحو التالي:-
منطقة لوجستية داخل ميناء شرق بورسعيد على مساحة تقارب 8.4 كيلومتر مربع، بالإضافة إلى منطقتان لوجستيتان خارج الميناء مخصصتان للأنشطة الصناعية والخدمية المرتبطة بالتجارة والنقل البحري.
من بين هذه المناطق، المنطقة الصناعية الروسية التي تقام على مساحة تقدر بنحو 2.5 كيلومتر مربع، والتي تستهدف جذب الاستثمارات الصناعية والتكنولوجية وتعزيز التعاون الاقتصادي بين مصر وروسيا.
مركز عالمي لسلاسل الإمداد
ففيما تمتد المنطقة اللوجستية بشرق بورسعيد على مساحة تقارب 1.2 مليون متر مربع، وتهدف إلى أن تصبح مركزًا عالميًا لخدمة سلاسل الإمداد الدولية التي تربط بين أوروبا وشرق إفريقيا والشرق الأوسط.
ويُعد الموقع الجغرافي للمنطقة أحد أهم عوامل قوتها، حيث تقع عند المدخل الشمالي لقناة السويس، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية كبيرة باعتبارها بوابة رئيسية لحركة التجارة بين البحرين المتوسط والأحمر.
بنية تحتية متطورة
يعتمد المشروع على بنية تحتية متقدمة تدعم عمليات النقل والتخزين والتصنيع، ومن أبرز مكوناته ميناء شرق بورسعيد.
حيث يمثل ميناء شرق بورسعيد أحد أهم موانئ المنطقة، حيث يتميز برصيف بحري بطول 2400 متر، مع قدرة استيعابية تصل إلى نحو 4.5 مليون حاوية مكافئة سنويًا، ما يجعله من الموانئ القادرة على استقبال أكبر السفن التجارية في العالم.
محطة تداول السيارات "رورو"
كما يضم المشروع محطة متخصصة لتداول السيارات بنظام "رورو" (Roll-on/Roll-off)، والتي تعرف باسم محطة SCAT، وقد جرى افتتاحها رسميًا بطول رصيف يبلغ 600 متر، وبمساحة تشغيلية تصل إلى 212 ألف متر مربع، مع قدرة تداول تصل إلى نحو 50 ألف مركبة سنويًا.
صناعات واعدة وخدمات متكاملة
لا يقتصر دور المنطقة اللوجستية بشرق بورسعيد على الأنشطة التخزينية أو عمليات إعادة الشحن، بل تسعى الدولة من خلالها إلى توطين صناعات استراتيجية تشمل صناعة وتجميع السيارات، الصناعات النسيجية، الصناعات الكيماوية والدهانات، وكذا الصناعات المرتبطة بالخدمات البحرية والنقل
كما تستهدف المنطقة تقديم خدمات القيمة المضافة للبضائع مثل التعبئة والتغليف وإعادة التصنيع والتجميع، وهو ما يعزز من تنافسية المنتجات ويزيد من حجم التجارة العابرة عبر الموانئ المصرية.
تنمية اقتصادية شاملة
يمثل مشروع المناطق اللوجستية بشرق بورسعيد أحد الأعمدة الرئيسية في استراتيجية الدولة لتحويل مصر إلى مركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الفريد على خطوط الملاحة العالمية.
ومع استمرار تنفيذ مراحل المشروع وتطوير البنية التحتية، من المتوقع أن يسهم في جذب الاستثمارات الأجنبية، وتوفير آلاف فرص العمل، وتعزيز الصادرات المصرية، إلى جانب تحويل ميناء شرق بورسعيد إلى مركز لوجستي عالمي قادر على المنافسة مع كبرى المراكز التجارية في المنطقة.



