«رأس الأفعى».. السقوط المدوي لمهندس الدم وظل الجماعة المحترق
أعاد مسلسل «رأس الأفعى» تسليط الضوء على واحدة من أكثر الشخصيات غموضًا وخطورة في تاريخ جماعة الإخوان المعاصر؛ القيادي «محمود عزت» لم يكن «عزت» مجرد رقم في التنظيم، بل كان المحرك الخفي الذي يدير مفاصل الجماعة من غياهب الظلام، والمهندس الذي صاغ كواليس المطاردات الأمنية بعد ثورة الثلاثين من يونيو، لقد عاش «عزت» كشبحٍ ينسج خيوط المؤامرات، حتى وقع أخيرًا في قبضة العدالة، لتتكشف الحقائق المذهلة حول دور الرجل الذي ظل لعقود يمسك بزمام السلطة المطلقة داخل التنظيم السري.
النشأة والتحول.. من «الدعوة» إلى «الصدام»
بدأت حكاية «عزت» مبكرًا بانضمامه للجماعة عام ثلاثة وخمسين، إلا أن المحطة الفارقة كانت في عام اثنين وستين، حين التقى بـ«مروان حديد»، مؤسس «الطليعة المقاتلة» في سوريا، من هنا، ولج «عز» إلى «تنظيم خمسة وستين» بقيادة سيد قطب ومصطفى مشهور، وفي اعترافات مدوية خلال تحقيقات قضية «مصر الجديدة»، أقر «عزت» بتركه لجماعة «الدعوة والتبليغ» واصفًا إياها بالسلبية، مفضلًا الانخراط في تنظيم يسعى للسيطرة على مراكز القيادة في المجتمع وتغييره «بالقوة»، مؤمنًا بأن القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الواقع.
العقيدة القطبية وحتمية المواجهة
لم يعرف فكر «محمود عزت» المناطق الرمادية؛ فقد تشبع بأفكار «سيد قطب» التكفيرية، معتبرًا الدولة نظامًا «جاهليا» والحكومة «طواغيت» لمجرد أنها لا تستمد تشريعاتها من القرآن وفق رؤيته المنحرفة، وبناءً على هذه العقيدة، آمن بحتمية الصدام المسلح كخيار وحيد، معترفًا بأن الجماعة قامت بتجهيز أفراد مسلحين في سرية تامة استعدادًا لمواجهة الدولة، فالسرية في نظره لم تكن تكتيكًا فحسب، بل هي الوسيلة المقدسة للوصول إلى الحكم بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية.
سنوات الشتات وتأسيس الإمبراطورية الدولية
بعد خروجه من السجن في السبعينيات، ظل فكر سيد قطب هو المحرك الأساسي لعزت، وحين حاول «عمر التلمساني» إبعاد «القطبيين» عن المشهد، شد عزت ومصطفى مشهور الرحال إلى اليمن ثم الكويت، وهناك وضعا اللبنات الأولى للتنظيم الدولي في الخليج وأوروبا وأمريكا، ومع عودته إلى مصر عقب وفاة السادات، نجح عزت في إحكام قبضته على مفاصل الجماعة، مؤسسًا مع خيرت الشاطر شركة «سلسبيل» كخزان معلومات استراتيجي للتنظيم، ليصبح منذ ذلك الحين «الآمر الناهي» وصاحب الكلمة التي لا تُراجع.
الوجه الدموي.. المهندس الحقيقي للإرهاب
انكشف الوجه الأكثر دموية لمحمود عزت عقب عزل محمد مرسي وفض اعتصام رابعة العدوية، تولى منصب القائم بأعمال المرشد من عام ألفين وثلاثة عشر حتى ألفين وعشرين، ليصبح المهندس الفعلي لعمليات التخريب والجناح المسلح، هو صاحب فكرة «لجنة الإدارة الجديدة» وما عُرف بـ«فعل الثورة المبدع»، والتي كانت المظلة الشرعية لحركات إرهابية غاشمة مثل «حسم» و«لواء الثورة» ورغم تخفيه في أماكن شتى، من الشرقية إلى غزة ثم مدينة نصر، ظل يدير العمليات النوعية التي تهدف إلى إسقاط الدولة المصرية من مخبئه الأخير.
السقوط الأخير.. نهاية «رأس الأفعى»
في أغسطس من عام ألفين وعشرين، نجحت قوات الأمن المصرية في عملية استخباراتية معقدة في استئصال «رأس الأفعى» من مخبئه بحي التجمع الخامس، واجه عزت جبلًا من الاتهامات الجسيمة، وصدرت ضده أحكام بالسجن المؤبد في قضايا التخابر والإرهاب وتمويل الجماعات ونشر الأخبار الكاذبة، لُقبت العملية بـ«رأس الأفعى» لأن «عزت» كان بالفعل العقل المدبر والبنية التحتية الفكرية التي بانهيارها، انهار الجدار التنظيمي للإخوان بالكامل.
التاريخ لا يرحم
لم يكن «محمود عزت» مجرد قيادي عابر، بل كان الرياح العاتية التي هزت استقرار وطن، مخلفةً وراءها دماءً وفوضى، وبينما يحاول مريدوه تجميل صورته كداعية، تبقى الوثائق والتاريخ شواهد حية لا تكذب، تؤكد أن الوجه الحقيقي لهذا الرجل لم يكن سوى «رأس أفعى» نفثت سمومها في جسد المجتمع المصري لعقود، قبل أن تُقطع بأيدي حماة الوطن.



