ألف عام من الكرم.. رحلة مائدة الإفطار من القصور إلى الحواري
منذ قرابة ألف عام، وموائد الرحمن تفرض نفسها كأحد أرسخ الطقوس الرمضانية في مصر، متجاوزةً كونها مجرد "إطعام صائم" لتصبح جزءًا من الهوية البصرية والاجتماعية للشوارع المصرية. هذه الظاهرة التي انطلقت من القصور السلطانية قديمًا، باتت اليوم أيقونة شعبية تجمع بين التاريخ والقيم الإنسانية.
من "السماط" إلى الشارع يعود أصل الحكاية إلى العصر الفاطمي، وتحديدا في عهد الخليفة "العزيز بالله"، الذي أسس ما عُرف بـ "سماط الخليفة"؛ وهي مأدبة ملكية كانت تخرج من مطبخ القصر بآلاف القدور يوميا لتوزيعها على العامة.. ومع مرور العصور، تحول هذا الكرم السلطاني في العهدين الأيوبي والمملوكي إلى "أوقاف خيرية" ثابتة، يخصص لها السلاطين والأعيان ريع أراضيهم لضمان استمرار إطعام عابري السبيل والمحتاجين طوال الشهر الكريم.
تحولات القرن العشرين في العصر الحديث، اتخذت الموائد طابعا مؤسسيا وشعبيا أوسع؛ ففي عام 1969 شهد حي شبرا أول مائدة إفطار "قبطية" في تاريخ المحروسة، ما نقل مفهوم المائدة من طقس ديني صرف إلى مظاهرة للوحدة الوطنية، واليوم، لم تعد الموائد تعتمد على القصور أو الحكومات فحسب، بل تحولت إلى "ملحمة تكافل" يقودها الأهالي في كل زقاق وحي، لتبقى المحروسة وفية لتقليد بدأ بقرار سلطاني، واستمر بقلوب المصريين.